ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة
ص 156
فيها قصد الملك الجواد أن يدخل مصر ليكون في خدمة الصالح أيوب، فلما وصل إلى الرمل توهم منه الصالح أيوب وأرسل إليه كمال الدين ابن الشيخ ليقبض عليه، فرجع الجواد فاستجار بالناصر داود، وكان إذ ذاك بالقدس الشريف، وبعث منه جيشا فالتقوا مع ابن الشيخ فكسروه وأسروه فوبخه الناصر داود ثم أطلقه، وأقام الجواد في خدمة الناصر حتى توهم منه فقيده وأرسله تحت الحوطة إلى بغداد، فأطلقه بطن من العرب عن قوة فلجأ إلى صاحب دمشق مدة، ثم انتقل إلى الفرنج، ثم عاد إلى دمشق فحبسه الصالح إسماعيل بعزتا إلى أن مات في سنة إحدى وأربعين كما سيأتي.
وفيها شرع الصالح أيوب في بناء المدارس بمصر، وبنى قلعة بالجزيرة غرم عليها شيئا كثيرا من بيت المال، وأخذ أملاك الناس وخرب نيفا وثلاثين مسجدا، وقطع ألف نخلة. ثم أخربها الترك في سنة إحدى وخمسين كما سيأتي بيانه. وفيها ركب الملك المنصور بن إبراهيم بن الملك المجاهد صاحب حمص ومعه الحلبيون، فاقتتلوا مع الخوارزمية بأرض حران، فكسروهم ومزقوهم كل ممزق، وعادوا منصورين إلى بلادهم، فاصطلح شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين مع الخوارزمية وآواهم إلى بلده ليكونوا من حزبه. قال أبو شامة: وفيها كان دخول الشيخ عز الدين إلى الديار المصرية فأكرمه صاحبها وولاه الخطابة بالقاهرة وقضاء القضاة بمصر، بعد وفاة القاضي شرف الدين المرقع ثم عزل نفسه مرتين وانقطع في بيته رحمه الله تعالى.
قال:
وفيها توفى
ص 156
الشمس بن الخباز النحوي الضرير في سابع رجب. و
الكمال بن يونس
ص 156
الفقيه في النصف من شعبان، وكانا فاضلي بلدهما في فنهما. قلت. أما:
الشمس ابن الخباز
ص 156
فهو أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي بن منصور بن علي، الضرير النحوي الموصلي المعروف بابن الخباز، اشتغل بعلم العربية وحفظ المفصل والإيضاح والتكملة والعروض والحساب، وكان يحفظ المجمل في اللغة وغير ذلك، وكان شافعي المذهب كثير النوادر والملح، وله أشعار جيدة، وكانت وفاته عاشر رجب وله من العمر خمسون سنة رحمه الله تعالى. وأما:
الكمال بن يونس
ص 157
فهو موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك العقيلي، أبو الفتح الموصلي شيخ الشافعية بها، ومدرس بعدة مدارس فيها، وكانت له معرفة تامة بالأصول والفروع والمعقولات والمنطق والحكمة، ورحل إليه الطلبة من البلدان، وبلغ ثمانيا وثمانين عاما، وله شعر حسن. فمن ذلك ما امتدح به البدر لؤلؤ صاحب الموصل وهو قوله:
لئن زينت الدنيا بمالك أمرها ... فمملكة الدنيا بكم تتشرف
بقيت بقاء الدهر أمرك نافذ ... وسعيك مشكور وحكمك ينصف
كان مولده سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وتوفي للنصف من شعبان هذه السنة، رحمه الله تعالى
قال أبو شامة: وفيها توفي بدمشق: عبد الواحد الصوفي
ص 157
الذي كان قسا راهبا في كنيسة مريم سبعين سنة، أسلم قبل موته بأيام، ثم توفي شيخا كبيرا بعد أن أقام بخانقاه السميساطية أياما، ودفن بمقابر الصوفية، وكانت له جنازة حافلة، حضرت دفنه والصلاة عليه رحمه الله تعالى.
أبو الفضل أحمد بن إسفنديار
ص 157
ابن الموفق بن أبى على البوسنجي الواعظ، شيخ رباط الأرجوانية. قال ابن الساعي: كان جميل الصورة حسن الأخلاق كثير التودد والتواضع، متكلما متفوها منطقيا حسن العبارة جيد الوعظ طيب الإنشاد عذب الإيراد، له نظم حسن، ثم ساق عنه قصيدة يمدح بها الخليفة المستنصر.
أبو بكر محمد بن يحيى
ص 157
ابن المظفر بن علم بن نعيم المعروف بابن الحسر السلامي، شيخ عالم فاضل، كان حنبليا ثم صار شافعيا، ودرس بعدة مدارس ببغداد للشافعية، وكان أحد المعدلين بها، تولى مباشرات كثيرة، وكان فقيها أصوليا عالما بالخلاف، وتقدم ببلده وعظم كثيرا، ثم استنابه ابن فضلان بدار الحريم، ثم صار من أمره أن درس بالنظامية وخلع عليه ببغلة، وحضر عنده الأعيان، وما زال بها حتى توفي عن ثمانين سنة، ودفن بباب حرب.
قاضي القضاة ببغداد
ص 157
أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل بن علي الواسطي الشافعي، اشتغل ببغداد وحصل وأعاد في بعض المدارس، ثم استنابه قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر في أيام الخليفة الظاهر بن الناصر، ثم ولي قضاء القضاة مستقلا، ثم ولي تدريس المستنصرية بعد
موت أول من درس بها محيي الدين محمد بن فضلان، ثم عزل عن ذلك كله وعن مشيخة بعض الربط.
ثم كانت وفاته في هذا العام، وكان فاضلا دينا متواضعا رحمه الله تعالى وعفا عنه.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.