وفيها توفى من الأعيان زيد بن الحسن
ص 70
ابن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة الشيخ الامام وحيد عصره تاج الدين أبو اليمن الكندي، ولد ببغداد ونشأ بها واشتغل وحصل، ثم قدم دمشق فأقام بها وفاق أهل زمانه شرقا وغربا في اللغة والنحو وغير ذلك من فنون العلم، وعلو الإسناد وحسن الطريقة والسيرة وحسن العقيدة، وانتفع به علماء زمانه وأثنوا عليه وخضعوا له. وكان حنبليا ثم صار حنفيا. ولد في الخامس والعشرين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة، فقرأ القرآن بالروايات وعمره عشر سنين، وسمع الكثير من الحديث العالي على الشيوخ الثقات، وعنى به وتعلم العربية واللغة واشتهر بذلك، ثم دخل الشام في سنة ثلاث وستين وخمسمائة، ثم سكن مصر واجتمع بالقاضي الفاضل، ثم انتقل إلى دمشق فسكن بدار
العجم منها وحظي عند الملوك والوزراء والأمراء، وتردد إليه العلماء والملوك وأبناؤهم، كان الأفضل ابن صلاح الدين وهو صاحب دمشق يتردد إليه إلى منزله، وكذلك أخوه المحسن والمعظم ملك دمشق، كان ينزل إليه إلى درب العجم يقرأ عليه في المفصل للزمخشري، وكان المعظم يعطي لمن حفظ المفصل ثلاثين دينارا جائزة، وكان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدرين بالجامع، كالشيخ علم الدين السخاوي ويحيى بن معطي الوجيه اللغوي، والفخر التركي وغيرهم، وكان القاضي الفاضل يثني عليه. قال السخاوي: كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره. ومن العجب أن سيبويه قد شرح عليه كتابه وكان اسمه عمرو، واسمه زيد. فقلت في ذلك:
لم يكن في عهد عمرو مثله ... وكذا الكندي في آخر عصر
فهما زيد وعمرو إنما ... بني النحو على زيد وعمرو
قال أبو شامة: وهذا كما قال فيه ابن الدهان المذكور في سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة:
يا زيد زادك ربي من مواهبه ... نعما يقصر عن إدراكها الأمل
النحو أنت أحق العالمين به ... أليس باسمك فيه يضرب المثل
وقد مدحه السخاوي بقصيدة حسنة، وأثنى عليه أبو المظفر سبط ابن الجوزي، فقال قرأت عليه وكان حسن العقيدة ظريف الخلق لا يسأم الإنسان من مجالسته، وله النوادر العجيبة والخط المليح والشعر الرائق، وله ديوان شعر كبير، وكانت وفاته يوم الاثنين سادس شوال منها وله ثلاث وتسعون سنة وشهر وسبعة عشر يوما، وصلي عليه بجامع دمشق ثم حمل إلى الصالحية فدفن بها، وكان قد وقف كتبه- وكانت نفيسة- وهي سبعمائة وإحدى وستون مجلدا، على معتقه نجيب الدين ياقوت، ثم على العلماء في الحديث والفقه واللغة وغير ذلك، وجعلت في خزانة كبيرة في مقصورة ابن سنان الحلبية المجاورة لمشهد على بن زين العابدين، ثم إن هذه الكتب تفرقت وبيع كثير منها ولم يبق بالخزانة المشار إليها إلا القليل الرث، وهي بمقصورة الحلبية، وكانت قديما يقال لها مقصورة ابن سنان، وقد ترك نعمة وافرة وأموالا جزيلة، ومماليك متعددة من الترك الحسان، وقد كان رقيق الحاشية حسن الأخلاق يعامل الطلبة معاملة حسنة من القيام والتعظيم، فلما كبر ترك القيام لهم وأنشأ يقول:
تركت قيامي للصديق يزورني ... ولا ذنب لي إلا الإطالة في عمري
فإن بلغوا من عشر تسعين نصفها ... تبين في ترك القيام لهم عذرى
ومما مدح فيه الملك المظفر شاهنشاه ما ذكره ابن الساعي في تاريخه:
وصال الغواني كان أورى وأرجا ... وعصر التداني كان أبهى وأبهجا
ليالي كان العمر أحسن شافع ... تولى وكان اللهو أوضح منهجا
بدا الشيب فانجابت طماعية الصبا ... وقبح لي ما كان يستحسن الحجا
بلهنية ولت كأن لم أكن بها ... أجلى بها وجه النعيم مسرجا
ولا اختلت في برد الشباب مجررا ... ذيولى إعجابا به وتبرجا
أعارك غيداء المعاطف طفلة ... وأغيد معسول المراشف أدعجا
نقضت لياليها بطيب كأنه ... لتقصيره منها مختطف الدجا
فإن أمس مكروب الفؤاد حزينه ... أعاقر من در الصبابة منهجا
وحيدا على أني بفضلي متيم ... مروعا بأعداء الفضائل مزعجا
فيا رب ديني قد سررت وسرني ... وأبهجته بالصالحات وأبهجا
ويا رب ناد قد شهدت وماجد ... شهدت دعوته فتلجلجا [1]
صدعت بفضلي نقصه فتركته ... وفي قلبه شجو وفي حلقه شجا
كأن ثنائى في مسامع حسدي ... وقد ضم أبكار المعاني وأدرجا
حسام تقي الدين في كل مارق ... يقد إلى الأرض الكمي المدججا
وقال يمدح أخاه معز الدين فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب:
هل أنت راحم عبرة ومدله ... ومجير صب عند ما منه وهي
هيهات يرحم قاتل مقتوله ... وسنانه في القلب غير منهنه
مذ بل من ذاك الغرام فإنني ... مذ حل بي مرض الهوى لم أنقه
إني بليت بحب أغيد ساحر ... بلحاظه رخص البنان بزهوه
أبغى شفاء تدلهى من واله ... ومتى يرق مدلل لمدله
كم آهة لي في هواه وأنة ... لو كان ينفعني عليه تأوهي
ومآرب في وصله لو أنها ... تقضى لكانت عند مبسمه الشهي
يا مفردا بالحسن إنك منته ... فيه كما أنا في الصبابة منتهى
قد لام فيك معاشر كي أنتهي ... باللوم عن حب الحياة وأنت هي
أبكي لديه فان أحس بلوعة ... وتشهق أرمى بطرف مقهقه
يا من محاسنه وحالي عنده ... حيران بين تفكر وتكفه
ضدان قد جمعا بلفظ واحد ... لي في هواه بمعنيين موجه
أو لست رب فضائل لو حاز ... أدناها وما أزهى بها غيري زهي
والذي أنشده تاج الدين الكندي في قتل عمارة اليمني حين كان مالأ الكفرة والملحدين على قتل الملك صلاح الدين، وأرادوا عودة دولة الفاطميين فظهر على أمره فصلب مع من صلب في سنة تسع وتسعين وخمسمائة.
عمارة في الإسلام أبدى خيانة ... وحالف فيها بيعة وصليبا
فأمسى شريك الشرك في بعض أحمد ... وأصبح في حب الصليب صليبا
وكان طبيب الملتقى إن عجمته ... تجد منه عودا في النفاق صليبا [1]
وله
صحبنا الدهر أياما حسانا ... نعوم بهن في اللذات عوما
وكانت بعد ما ولت كأني ... لدى نقصانها حلما ونوما
أناخ بي المشيب فلا براح ... وإن أوسعته عتبا ولوما
نزيل لا يزال على التآنى ... يسوق إلى الردى يوما فيوما
وكنت أعد لي عاما فعاما ... فصرت أعد لي يوما فيوما
أبو الفضل رشوان بن منصور
ص 74
ابن رشوان الكردي المعروف بالنقف ولد بإربل وخدم جنديا وكان أديبا شاعرا خدم مع الملك العادل، ومن شعره قوله:
سلي عني الصوارم والرماحا ... وخيلا تسبق الهوج الرياحا
وأسدا حبيسها سمر العوالي ... إذا ما الأسد حاولت الكفاحا
فإني ثابت عقلا ولبا ... إذا ما صائح في الحرب صاحا
وأورد مهجتي لجج المنايا ... إذا ماجت ولم أخف الجراحا
وكم ليل سهرت وبت فيه ... أراعي النجم أرتقب الصباحا
وكم في فدفد فرسي ونضوي ... بقائلة الهجير غدا وراحا
لعينك في العجاجة ما ألاقي ... وأثبت في الكريهة لا براحا