ثم دخلت سنة تسع وثمانين وستمائة
ص 315
فيها كانت وفاة الملك المنصور قلاوون، وكان الخليفة الحاكم العباسي، ونائب مصر حسام الدين طرقطاى، ونائب الشام حسام الدين لاجين، وقضاة الشام شهاب الدين بن الخوى الشافعي، وحسام الدين الحنفي، ونجم الدين بن شيخ الجبل، وجمال الدين الزواوى المالكي، وجاء البريد يطلب شمس الدين سنقر الأشقر إلى الديار المصرية، فأكرمه السلطان وقواه وشديدة وأمره باستخلاص الأموال، وزاده مشد الجيوش، والكلام على الحصون إلى البيرة وكختا وغير ذلك، فقويت نفسه وزاد تجبره ولكن كان يرجع إلى مروءة وستر وينفع من ينتمي إليه، وذلك مودة في الدنيا في أيام قلائل، وفي جمادى الآخرة جاء البريد بالكشف على ناصر الدين المقدسي وكيل بيت المال، وناظر الخاص، فظهرت عليه مخازي من أكل الأوقاف وغيرها، فرسم عليه بالعذراوية وطولب بتلك الأموال وضيق عليه، وعمل فيه سيف الدين أبو العباس السامري قصيدة يتشفى فيها لما كان أسدى إليه من الظلم والإيذاء، مع أنه راح إليه وتغمم له وتمازحا هنالك، ثم جاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية فخاف النواب من ذهابه، فأصبح يوم الجمعة وهو مشنوق بالمدرسة العذراوية، فطلبت القضاة والشهود فشاهدوه كذلك، ثم جهز وصلي عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر الصوفية عند أبيه، وكان مدرسا بالرواحية وتربة أم الصالح، مع الوكالتين والنظر.
وجاء البريد بعمل مجانيق لحصار عكا فركب الأعسر إلى أراضي بعلبك لما هنالك من الأخشاب العظيمة التي لا يوجد مثلها بدمشق، وهي تصلح لذلك، فكثرت الجنايات والجبايات والسخر، وكلفوا الناس تكليفا كثيرا، وأخذوا أخشاب الناس، وحملت إلى دمشق بكلفة عظيمة وشدة كثيرة، ف إنا لله وإنا إليه راجعون. 2: 156
وفاة الملك المنصور قلاوون
ص 315
بينما الناس في هذا الهم والمصادرات وأمثال ذلك إذ وردت بريدية فأخبروا بوفاة الملك المنصور يوم السبت سادس ذي القعدة من هذه السنة، بالمخيم ظاهر القاهرة، ثم حمل إلى قلعة الجبل ليلا وجلس بعده ولده الملك الأشرف خليل بولاية العهد له، وحلف له جميع الأمراء، وخطب له على المنابر، وركب في أبهة الملك، والعساكر كلهم في خدمته مشاة من قلعة الجبل إلى الميدان الأسود الذي هو سوق الخيل، وعلى الأمراء والمقدمين الخلع، وعلى القضاة والأعيان، ولما جاءت الأخبار
بذلك حلف له الأمراء بالشام، وقبض على حسام الدين طرقطاى نائب أبيه وأخذ منه أموالا جزيلة أنفق منها على العساكر.
وفيها ولي خطابة دمشق زين الدين عمر بن مكي بن المرحل عوضا عن جمال الدين بن عبد الكافي وكان ذلك بمساعدة الأعسر، وتولى نظر الجامع الرئيس وجيه الدين بن المنجي الحنبلي، عوضا عن ناصر الدين بن المقدسي، وثمر وقفه وعمره وزاد مائة وخمسين ألفا. وفيها احترقت دار صاحب حماة، وذلك أنه وقع فيها نار في غيبته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت النار فيها يومين فاحترقت واحترق كل ما فيها.
وفي شوال درس بتربة أم الصالح بعد ابن المقدسي القاضي إمام الدين القونوي، وفيها باشر الشرف حسين بن أحمد بن الشيخ أبي عمر قضاء الحنابلة عوضا عن ابن عمه نجم الدين بن شيخ الجبل، عن مرسوم الملك المنصور قبل وفاته. وحج بالناس في هذه السنة من الشام الأمير بدر الدين بكتوت الدوباسى، وحج قاضى القضاة شهاب الدين بن الخوى، وشمس الدين بن السلعوس ومقدم الركب الأمير عتبة، فتوهم منه أبو نمي، وكان بينهما عداوة، فأغلق أبواب مكة ومنع الناس من دخولها فأحرق الباب وقتل جماعة ونهب بعض الأماكن، وجرت خطوب فظيعة، ثم أرسلوا القاضي ابن الخوى ليصلح بين الفريقين، ولما استقر عند أبي نمى رحل الركوب وبقي هو في الحرم وحده وأرسل معه أبو نمي من ألحقه بهم سالما معظما. وجاء الخبر بموت المنصور إلى الناس وهم بعرفات وهذا شيء عجيب. وجاء كتاب يستحث الوزير ابن السلعوس في المسير إلى الديار المصرية، وبين الأسطر بخط الملك الأشرف: يا شقير يا وجه الخير احضر لتستلم الوزارة. فساق إلى القاهرة فوصلها يوم الثلاثاء عاشر المحرم، فتسلم الوزارة كما قال السلطان.
السلطان الملك المنصور قلاوون
ص 316
ابن عبد الله التركي الصالحي الألفي، اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، بألفي دينار، وكان من أكابر الأمراء عنده وبعده، ولما تزوج الملك السعيد بن الظاهر بابنته غازية خاتون، عظم شأنه جدا عند الظاهر، وما زال يترفع في الدولة حتى صار أتابك سلامش بن الظاهر، ثم رفعه من البين واستقل بالملك في سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس سنة ثمان وثمانين، وعزم على فتح عكا وبرز إليها فعاجلته المنية في السادس والعشرين من ذي القعدة، ودفن بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها بين القصرين، التي ليس بديار مصر ولا بالشام مثلها. وفيها دار حديث ومارستان. وعليها أوقاف دارة كثيرة عظيمة، مات عن قريب من ستين سنة، وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة، وكان حسن الصورة مهيبا، عليه أبهة السلطنة
ومهابة الملك، تام القامة حسن اللحية عالي الهمة شجاعا وقورا سامحه الله.
الأمير حسام الدين طرقطاى
ص 317
نائب السلطنة المنصورية بمصر، أخذه الأشرف فسجنه في قلعة الجبل، ثم قتله وبقي ثمانية أيام لا يدرى به، ثم لف في حصير وألقي على مزبلة، وحزن عليه بعض الناس، فكفن كآحاد الفقراء بعد النعيم الكثير، والدنيا المتسعة، والكلمة النافذة، وقد أخذ السلطان من حواصله ستمائة ألف دينار وسبعين قنطارا بالمصري فضة، ومن الجواهر شيئا كثيرا، سوى الخيل والبغال والجمال والأمتعة والبسط الجياد. والأسلحة المثمنة، وغير ذلك من الحواصل والأملاك بمصر والشام، وترك ولدين أحدهما أعمى، وقد دخل هذا الأعمى على الأشرف فوضع المنديل على وجهه وقال شيء لله وذكر له أن لهم أياما لا يجدون شيئا يأكلونه، فرق له وأطلق لهم الأملاك يأكلون من ريعها، فسبحان الله المتصرف في خلقه بما يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء.
الشيخ الإمام العلامة
ص 317
رشيد الدين عمر بن إسماعيل بن مسعود الفارقي الشافعي، مدرس الظاهرية، توفي بها وقد جاوز التسعين، وجد مخنوقا في المحرم، ودفن بالصوفية، وقد سمع الحديث وكان منفردا في فنون من العلوم كثيرة، منها علم النحو والأدب وحل المترجم والكتابة والإنشاء وعلم الفلك والنجوم وضرب الرمل والحساب وغير ذلك، وله نظم حسن.
الخطيب جمال الدين أبو محمد
ص 317
عبد الكافي بن عبد الملك بن عبد الكافي الربعي، توفي بدار الخطابة وحضر الناس الصلاة عليه يوم السبت سلخ جمادى الأولى، وحمل إلى السفح فدفن إلى جانب الشيخ يوسف الفقاعى.
فخر الدين أبو الظاهر إسماعيل
ص 317
ابن عز القضاة أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الواحد بن أبي اليمن، الشيخ الزاهد المتقلل من متاع الدنيا، توفي في العشرين من رمضان، وصلي عليه في الجامع، ودفن بتربة بني الزكي بقاسيون محبة في محيي الدين بن عربي، فإنه كان يكتب من كلامه كل يوم ورقتين، ومن الحديث ورقتين وكان مع هذا يحسن الظن به، وكان يصلي مع الأئمة كلهم بالجامع، وقد أخبر عنه بعض العلماء أنه رأى بخطه.
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه عينه
وقد صحح على «عينه» وإنما الصحيح المروي عمن أنشد هذا الشعر
تدل على أنه واحد
وله شعر فمنه:
والنهر مذجن في الغصون هوى ... فراح في قلبه يمثلها
فغار منه النسيم عاشقها ... فجاء عن وصله يميلها
وله أيضا:
لما تحقق بالإمكان فوقكم ... وقد بدا حكمه في عالم الصور
فميز الجمع عنه وهو متخد ... فلاح فرقكم في عالم الصور
وله:
لي سادة لا أرى سواهم ... هم عين معناى وعين جوفي
لقد أحاطوا بكل جزء ... مني وعزوا عن درك طرفي
هم نظروا في عموم فقري ... وطول ذلي وفرط ضعفي
فعاملوني ببحت جود ... وصرف بر ومحض لطف
فلا تلم إن جررت ذيلي ... فخرا بهم أو ثنيت عطفي
وله:
مواهب ذي الجلال لدي تترى ... فقد أخرستنى ونطقن شكرا
فنعمى إثر نعمى إثر نعمى ... وبشرى بعد بشرى بعد بشرى
لها بدء وليس لها انتهاء ... يعم مزيدها دنيا وأخرى
الحاج طيبرس بن عبد الله
ص 318
علاء الدين الوزير، صهر الملك الظاهر، كان من أكابر الأمراء ذوي الحل والعقد، وكان دينا كثير الصدقات، له خان بدمشق أوقفه، وله في فكاك الأسرى وغير ذلك، وأوصى عند موته بثلاثمائة ألف تصرف على الجند بالشام ومصر، فحصل لكل جندي خمسون درهما، وكانت وفاته في ذي الحجة، ودفن بتربته بسفح المقطم.
قاضي القضاة
ص 318
نجم الدين أبو العباس بن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر المقدسي، توفى ثانى عشر رجب بسوا، وكان فاضلا بارعا خطيبا مدرسا بأكثر المدارس، وهو شيخ الحنابلة وابن شيخهم، وتولى بعده القضاء الشيخ شرف الدين حسين بن عبد الله بن أبي عمر، والله أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.