ثم دخلت سنة خمسمائة من الهجرة
ص 165
قال أبو داود في سننه: حدثنا حجاج بن إبراهيم حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم» . حدثنا عمر وبن عثمان حدثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد ابن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لأرجو أن لا يعجز أمتي عند ربها أن يؤخرها نصف يوم. قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة» . وهذا من دلائل النبوة. وذكر هذه المدة لا ينفي زيادة عليها، كما هو الواقع، لأنه عليه السلام ذكر شيئا من أشراط الساعة لا بد من وقوعها كما أخبر سواء بسواء. وسيأتي ذكرها فيما بعد زماننا، وبالله المستعان.
ومما وقع في هذه السنة من الحوادث أن السلطان محمد بن ملك شاه حاصر قلاعا كثيرة من حصون الباطنية، فافتتح منها أماكن كثيرة، وقتل خلقا منهم، منها قلعة حصينة كان أبوه قد بناها بالقرب من أصبهان، في رأس جبل منيع هناك، وكان سبب بنائه لها أنه كان مرة في بعض صيوده
فهرب منه كلب فاتبعه إلى رأس الجبل فوجده، وكان معه رجل من رسل الروم، فقال الرومي: لو كان هذا الجبل ببلادنا لاتخذنا عليه قلعة، فحدا هذا الكلام السلطان إلى أن ابتنى في رأسه قلعة أنفق عليها ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، ثم استحوذ عليها بعد ذلك رجل من الباطنية يقال له أحمد بن عبد الله بن عطاء، فتعب المسلمون بسببها، فحاصرها ابنه السلطان محمد سنة حتى افتتحها، وسلخ هذا الرجل وحشى جلده تبنا وقطع رأسه، وطاف به في الأقاليم، ثم نقض هذه القلعة حجرا حجرا، وألقت امرأته نفسها من أعلى القلعة فتلفت، وهلك ما كان معها من الجواهر النفيسة، وكان الناس يتشاءمون بهذه القلعة، يقولون: كان دليلها كلبا، والمشير بها كافرا، والمتحصن بها زنديقا.
وفيها وقعت حروب كثيرة بين بنى خفاجة وبين بنى عبادة، فقهرت عبادة خفاجة وأخذت بثأرها المتقدم منها. وفيها استحوذ سيف الدولة صدقة على مدينة تكريت بعد قتال كثير. وفيها أرسل السلطان محمد الأمير جاولي سقاوو إلى الموصل وأقطعه إياها، فذهب فانتزعها من الأمير جكرمش بعد ما قاتله وهزم أصحابه وأسره، ثم قتله بعد ذلك وقد كان جكرمش من خيار الأمراء سيرة وعدلا وإحسانا، ثم أقبل قلج أرسلان بن قتلمش فحاصر الموصل فانتزعها من جاولي، فصار جاولي إلى الرحبة، فأخذها ثم أقبل إلى قتال قلج فكسره وألقى قلج نفسه في النهر الذي للخابور فهلك. وفيها نشأت حروب بين الروم والفرنج فاقتتلوا قتالا عظيما ولله الحمد، وقتل من الفريقين طائفة كبيرة، ثم كانت الهزيمة على الفرنج ولله الحمد رب العالمين.
قتل فخر الملك أبو المظفر
ص 166
وفي يوم عاشوراء منها قتل فخر الملك أبو المظفر بن نظام الملك، وكان أكبر أولاد أبيه، وهو وزير السلطان سنجر بنيسابور، وكان صائما، قتله باطني، وكان قد رأى في تلك الليلة الحسين بن علي وهو يقول له: عجل إلينا وأفطر عندنا الليلة، فأصبح متعجبا، فنوى الصوم ذلك اليوم، وأشار إليه بعض أصحابه أن لا يخرج ذلك اليوم من المنزل، فما خرج إلا في آخر النهار فرأى شابا يتظلم وفي يده رقعة فقال: ما شأنك؟ فناوله الرقعة فبينما هو يقرؤها إذ ضربه بخنجر بيده فقتله، فأخذ الباطني فرفع إلى السلطان فقرره فأقر على جماعة من أصحاب الوزير أنهم أمروه بذلك، وكان كاذبا، فقتل وقتلوا أيضا. وفي رابع عشر صفر عزل الخليفة الوزير أبا القاسم علي بن جهير وخرب داره التي كان قد بناها أبوه، من خراب بيوت الناس، فكان في ذلك عبرة وموعظة لذوي البصائر والنهى، واستنيب في الوزارة القاضي أبو الحسن الدامغاني، ومعه آخر. وحج بالناس فيها الأمير تركمان واسمه اليرن، من جهة الأمير محمد بن ملك شاه.
أحمد بن محمد بن المظفر
ص 167
أبو المظفر الخوافي الفقيه الشافعي. قال ابن خلكان: كان أنظر أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين، وكان أوجه تلامذته، وقد ولى القضاء بطوس ونواحيها، وكان مشهورا بحسن المناظرة وإفحام الخصوم. قال والخوافي بفتح الخاء والواو نسبة إلى خواف، ناحية من نواحي نيسابور.
جعفر بن أحمد
ص 167
ابن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج، أبو محمد القاري البغدادي، ولد سنة ست عشرة وأربعمائة، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الكثير من الأحاديث النبويات، من المشايخ والشيخات في بلدان متباينات، وقد خرج له الحافظ أبو بكر الخطيب أجزاء مسموعاته، وكان صحيح الثبت، جيد الذهن، أديبا شاعرا، حسن النظم، نظم كتابا في القراءات، وكتاب التنبيه والخرقى وغير ذلك، وله كتاب مصارع العشاق وغير ذلك، ومن شعره قوله:
قتل الذين بجهلهم ... أضحوا يعيبون المحابر
والحاملين لها من ... الأيدي بمجتمع الأساور
لولا المحابر والمقالم ... والصحائف والدفاتر
والحافظون شريعة ... المبعوث من خير العشائر
والناقلون حديثه عن ... كابر ثبت وكابر
لرأيت من بشع الضلال ... عساكرا تتلو عساكر
كل يقول بجهله ... والله للمظلوم ناصر
سميتهم أهل الحديث ... أولى النهى وأولى البصائر
هم حشو جنات النعيم ... على الأسرة والمنابر
رفقاء أحمد كلهم ... عن حوضه ريان صادر
وذكر له ابن خلكان أشعارا رائقة منها قوله:
ومدع شرخ الشباب وقد ... عممه الشيب على وفرته
يخضب بالوشمة عثنونه ... يكفيه أن يكذب في لحيته
عبد الوهاب بن محمد
ص 167
ابن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الشيرازي الفارسي، سمع الحديث الكثير، وتفقه وولاه نظام الملك تدريس النظامية ببغداد، في سنة ثلاث وثمانين، فدرس بها مدة، وكان يملي الأحاديث، وكان كثير التصحيف، روى مرة حديث «صلاة في أثر صلاة كتاب في عليين» . فقال:
كتاب في غلس. ثم أخذ يفسر ذلك بأنه أكثر لإضاءتها.
محمد بن إبراهيم
ص 168
ابن عبيد الأسدي الشاعر، لقي الخنيسي التهامي، وكان مغرما بما يعارض شعره، وقد أقام باليمن وبالعراق ثم بالحجاز ثم بخراسان، ومن شعره:
قلت ثقلت إذ أتيت مرارا ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي
قلت طولت قال بل تطولت ... قلت مزقت قال حبل ودادي
يوسف بن علي
ص 168
أبو القاسم الزنجاني الفقيه، كان من أهل الديانة، حكى عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي عن القاضي أبي الطيب، قال: كنا يوما بجامع المنصور في حلقة فجاء شاب خراساني فذكر حديث أبي هريرة في المطر فقال الشاب: غير مقبول، فما استتم كلامه حتى سقطت من سقف المسجد حية فنهض الناس هاربين وتبعت الحية ذلك الشاب من بينهم، فقيل له تب تب. فقال: تبت، فذهبت فلا ندري أين ذهبت. رواها ابن الجوزي عن شيخه أبي المعمر الأنصاري عن أبي القاسم هذا والله أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.