ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة
ص 34
فيها غزا السلطان مسعود بن محمود بلاد الهند، وفتح حصونا كثيرة، وكان من جملتها أنه حاصر قلعة حصينة فخرجت من السور عجوز كبيرة ساحرة، فأخذت مكنسة فبلتها ورشتها من ناحية جيش المسلمين، فمرض السلطان تلك الليلة مرضا شديدا، فارتحل عن تلك القلعة، فلما استقل ذاهبا عنها عوفي عافية كاملة، فرجع إلى غزنة سالما. وفيها ولى البساسيري حماية الجانب الشرقي من بغداد، لما تفاقم أمر العيارين. وفيها ولى سنان بن سيف الدولة بعد وفاة أبيه، فقصد عمه قرواشا فأقره
وساعده على أموره. وفيها هلك ملك الروم أرمانوس، فملكهم رجل ليس من بيت ملكهم، قد كان صيرفيا في بعض الأحيان، إلا أنه كان من سلالة الملك قسطنطين. وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام فهدمت شيئا كثيرا، ومات تحت الردم خلق كثير، وانهدم من الرملة ثلثها، وتقطع جامعها تقطيعا، وخرج أهلها منها هاربين، فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام، ثم سكن الحال فعادوا إليها، وسقط بعض حائط بيت المقدس، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة، ومن مسجد إبراهيم قطعة، وسلمت الحجرة، وسقطت منارة عسقلان، ورأس منارة غزة، وسقط نصف بنيان نابلس، وخسف بقرية البارزاد وبأهلها وبقرها وغنمها، وساخت في الأرض. وكذلك قرى كثيرة هنالك، وذكر ذلك ابن الجوزي. ووقع غلاء شديد ببلاد إفريقية، وعصفت ريح سوداء بنصيبين فألقت شيئا كثيرا من الأشجار كالتوت والجوز والعناب، واقتلعت قصرا مشيدا بحجارة وآجر وكلس فألقته وأهله فهلكوا، ثم سقط مع ذلك مطر أمثال الأكف، والزنود والأصابع، وجزر البحر من تلك الناحية ثلاث فراسخ، فذهب الناس خلف السمك فرجع البحر عليهم فهلكوا. وفيها كثر الموت بالخوانيق حتى كان يغلق الباب على من في الدار كلهم موتى، وأكثر ذلك كان ببغداد، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة سبعون ألفا. وفيها وقعت الفتنة بين السنة والروافض حتى بين العيارين من الفريقين مع ابنا الأصفهاني وهما مقدمي عيارين أهل السنة، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة فضاق عليهم الحال، وقتل ابن البرجمي وأخوه في هذه السنة. ولم يحج أحد من أهل العراق.
أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب
ص 35
الحافظ أبو بكر المعروف بالبرقاني، ولد سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الكثير، ورحل إلى البلاد، وجمع كتبا كثيرة جدا، وكان عالما بالقرآن والحديث والفقه والنحو، وله مصنفات في الحديث حسنة نافعة. قال الأزهري: إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن، وما رأيت أتقن منه. وقال غيره:
ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث. توفي يوم الخميس مستهل رجب، وصلى عليه أبو علي بن أبي موسى الهاشمي، ودفن في مقبرة الجامع ببغداد، وقد أورد له ابن عساكر من شعره:
أعلل نفسي بكتب الحديث ... وأجمل فيه لها الموعدا
وأشغل نفسي بتصنيفه ... وتخريجه دائما سرمدا
فطورا أصنفه في الشيوخ ... وطورا أصنفه مسندا
وأقفو البخاري فيما حواه ... وصنفه جاهدا مجهدا
ومسلم إذ كان زين الأنام ... بتصنيفه مسلما مرشدا
وما لي فيه سوى أنني ... أراه هوى صادف المقصدا
وأرجو الثواب بكتب الصلاة ... على السيد المصطفى أحمدا
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد
ص 36
أبو العباس الأبيوردي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني، كانت له حلقة في جامع المنصور للفتيا. وكان يدرس في قطيعة الربيع، وولي الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفاني، وقد سمع الحديث، وكان حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، فصيح اللسان، صبورا على الفقر، كاتما له، وكان يقول الشعر الجيد، وكان كما قال تعالى (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا) 2: 273 توفي في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب:
أبو علي البندنيجي
ص 36
الحسن بن عبد الله بن يحيى، الشيخ أبو علي البندنيجي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ أبى حامد أيضا، ولم يكن في أصحابه مثله، تفقه ودرس وأفتى وحكم ببغداد، وكان دينا ورعا. توفي في جمادى الآخرة منها أيضا.
عبد الوهاب بن عبد العزيز
ص 36
الحارث بن أسد، أبو الصباح التميمي، الفقيه الحنبلي الواعظ، سمع من أبيه أثرا مسلسلا عن علي «الحنان: الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال» توفي في ربيع الأول ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل.
غريب بن محمد
ص 36
ابن مفتى سيف الدولة أبو سنان، كان قد ضرب السكة باسمه، وكان ملكا متمكنا في الدولة، وخلف خمسمائة ألف دينار، وقام ابنه سنان بعده، وتقوى بعمه قرواش، واستقامت أموره، توفى بالكرخ سابور عن سبعين سنة.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.