فيها قدم من جهة الخليفة رسل إلى السلطان يعلمونه بولاية العهد لأبى نصر الملقب بالظاهر بن الخليفة الناصر، فأمر السلطان خطيب دمشق أبا القاسم عبد الملك بن زيد الدولعى أن يذكره على المنبر، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفا كثيرة، وهدايا سنية، وأرسل بأسارى من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم، وأرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوى، من دار الخليفة، فكان بالأقدام يداس، بعد ما كان يعظم ويباس، والصحيح أن هذا الصليب كان منصوبا على الصخرة وكان من نحاس مطليا بالذهب، فحطه الله إلى أسفل العتب.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة
لما كان شهر رجب اجتمع من كان بصور من الفرنج وساروا إلى مدينة عكا، فأحاطوا بها يحاصرونها فتحصن من فيها من المسلمين، وأعدوا للحصار ما يحتاجون إليه، وبلغ السلطان خبرهم فسار إليهم من دمشق مسرعا، فوجدهم قد أحاطوا بها إحاطة الخاتم بالخنصر، فلم يزل يدافعهم عنها ويمانعهم منها، حتى جعل طريقا إلى باب القلعة يصل إليه كل من أراده، من جندي وسوقي، وامرأة وصبي، ثم أدخل إليها ما أراد من الآلات والأمتعة، ودخل هو بنفسه، فعلا على سورها ونظر إلى الفرنج وجيشهم وكثرة عددهم وعددهم، والميرة تفد إليهم في البحر، في كل وقت، وكل ما لهم في ازدياد، وفي كل حين تصل إليهم الأمداد، ثم عاد إلى مخيمه والجنود تفد إليه، وتقدم عليه من كل جهة ومكان، منهم رجال وفرسان، فلما كان في العشر الأخير من شعبان برزت الفرنج من مراكبها إلى
مواكبها، في نحو من ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، فبرز إليهم السلطان فيمن معه من الشجعان فاقتتلوا بمرج عكا قتالا عظيما، وهزم جماعة من المسلمين في أول النهار، ثم كانت الدائرة على الفرنج فكانت القتلى بينهم أزيد من سبعة آلاف قتيل، ولما تناهت هذه الوقعة تحول السلطان عن مكانه الأول إلى موضع بعيد من رائحة القتلى، خوفا من الوخم والأذى، وليستريح الخيالة والخيل، ولم يعلم أن ذلك كان من أكبر مصالح العدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفرصة فحفروا حول مخيمهم خندقا من البحر محدقا بجيشهم، واتخذوا من ترابه سورا شاهقا، وجعلوا له أبوابا يخرجون منها إذا أرادوا وتمكنوا في منزلهم ذلك الذي اختاروا وارتادوا، وتفارط الأمر على المسلمين، وقوي الخطب وصار الداء عضالا، وازداد الحال وبالا، اختبارا من الله وامتحانا، وكان رأي السلطان أن يناجزوا بعد الكرة سريعا، ولا يتركوا حتى يطيب البحر فتأتيهم الأمداد من كل صوب، فتعذر عليه الأمر باملال الجيش والضجر، وكل منهم لأمر الفرنج قد احتقر، ولم يدر ما قد حتم في القدر، فأرسل السلطان إلى جميع الملوك يستنفر ويستنصر، وكتب إلى الخليفة بالبث، وبث الكتب بالتحضيض والحث السريع، فجاءته الأمداد جماعات وآحادا، وأرسل إلى مصر يطلب أخاه العادل ويستعجل الأسطول، فقدم عليه فوصل إليه خمسون قطعة في البحر مع الأمير حسام الدين لؤلؤ، وقدم العادل في عسكر المصريين، فلما وصل الاسطول حادت مراكب الفرنج عنه يمنة ويسرة، وخافوا منه، واتصل بالبلد الميرة والعدد والعدد، وانشرحت الصدور بذلك، وانسلخت هذه السنة والحال ما حال بل هو على ما هو عليه ولا ملجأ من الله إلا إليه.
عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون أحد أئمة الشافعية، له كتاب الانتصاف، وقد ولي قضاء القضاة بدمشق، ثم أضر قبل موته بعشر سنين، فجعل ولده نجم الدين مكانه بطيب قلبه وقد بلغ من العمر ثلاثا وتسعين سنة ونصفا، ودفن بالمدرسة العصرونية، التي أنشأها عند سويقة باب البريد، قبالة داره، بينهما عرض الطريق، وكان من الصالحين والعلماء العاملين. وقد ذكره ابن خلكان فقال: كان أصله من حديثة عانة الموصل، ورحل في طلب العلم إلى بلدان شتى، وأخذ عن أسعد الميهني وأبي علي الفارقي وجماعة، وولي قضاء سنجار وحران، وباشر في أيام نور الدين تدريس الغزالية، ثم انتقل إلى حلب فبنى له نور الدين بحلب مدرسة وبحمص أخرى، ثم قدم دمشق في أيام صلاح الدين، فولي قضاءها في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة إلى أن توفي في هذه السنة، وقد جمع جزءا في قضاء الأعمى، وأنه جائز، وهو خلاف المذهب، وقد حكاه صاحب البيان وجها لبعض الأصحاب. قال: ولم أره في غيره، ولكن حبك الشيء يعمى ويصم، وقد صنف كتبا كثيرة،
منها صفوة المذهب في نهاية المطلب، في سبع مجلدات، والانتصاف في أربعة، والخلاف في أربعة، والذريعة [في معرفة الشريعة] والمرشد وغير ذلك، و [كتابا سماه مأخذ النظر، ومختصرا] في الفرائض، وقد ذكره ابن عساكر في تاريخه والعماد فأثنى عليه، وكذلك القاضي الفاضل. وأورد له العماد أشعارا كثيرة وابن خلكان، منها:
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة ... تمر بى الموتى يهز نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي ... بقايا ليال في الزمان أعيشها
أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان، قال ابن الأثير: كان عالما متبحرا في علوم كثيرة من الفقه، والأصول والحساب والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغير ذلك، وقد جاور بمكة وأقام بها إلى أن مات بها، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقا.
كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إلى مصر، وحظي عنده، ثم كان ملازما للسلطان صلاح الدين حتى مات في ركابه بمنزلة الخروبة قريبا من عكا، فنقل إلى القدس فدفن به، كان ممن تفقه على الشيخ أبي القاسم بن البرزي الجزري، وكان من الفضلاء والأمراء الكبار.
مدرس النظامية، تفقه بابن الخل [وحظي] بمكانة عند الخليفة والعامة، وكان يضرب بحسن خطه المثل. ذكرته في الطبقات.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
