الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الثاني عشر / ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
177

ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة

الجزء الثاني عشر 9 عنصر صفحة 314
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ص 314

استهلت والسلطان مخيم بظاهر حماه، ثم سار إلى حلب، ثم خرج منها في صفر قاصدا الموصل فجاء إلى حران فقبض على صاحبها مظفر الدين، وهو أخو زين الدين صاحب إربل، ثم رضى عنه

وأعاده إلى مملكته حتى يتبين خبث طويته، ثم سار إلى الموصل فتلقاه الملوك من كل ناحية، وجاء إلى خدمته عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان، وسار السلطان فنزل على الإسماعيليات قريبا من الموصل، وجاءه صاحب إربل نور الدين الذي خضعت له ملوك تلك الناحية، ثم أرسل صلاح الدين ضياء الدين الشهرزوري إلى الخليفة يعلمه بما عزم عليه من حصار الموصل، وإنما مقصوده ردهم إلى طاعة الخليفة، ونصرة الإسلام، فحاصرها مدة ثم رحل عنها ولم يفتحها، وسار إلى خلاط واستحوذ على بلدان كثيرة، وأقاليم جمة ببلاد الجزيرة وديار بكر، وجرت أمور استقصاها ابن الأثير في كامله، وصاحب الروضتين، ثم وقع الصلح بينه وبين المواصلة، على أن يكونوا من جنده إذا ندبهم لقتال الفرنج، وعلى أن يخطب له وتضرب له السكة، ففعلوا ذلك في تلك البلاد كلها، وانقطعت خطبة السلاجقة والازيقية بتلك البلاد كلها، ثم اتفق مرض السلطان بعد ذلك مرضا شديدا، فكان يتجلد ولا يظهر شيئا من الألم حتى قوي عليه الأمر وتزايد الحال، حتى وصل إلى حران فخيم هنالك من شدة ألمه، وشاع ذلك في البلاد، وخاف الناس عليه وأرجف الكفرة والملحدون بموته، وقصده أخوه العادل من حلب بالأطباء والأدوية، فوجده في غاية الضعف، وأشار عليه بأن يوصى، فقال:

ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا- يعني أخاه العادل وتقي الدين عمر صاحب حماة وهو إذ ذاك نائب مصر، وهو بها مقيم، وابنيه العزيز عثمان والأفضل عليا- ثم نذر لئن شفاه الله من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج، ولا يقاتل بعد ذلك مسلما، وليجعل أكبر همه فتح بيت المقدس، ولو صرف في سبيل الله جميع ما يملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك بيده، لأنه نقض العهد وتنقبص الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه أخذ قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام، فأخذ أموالهم وضرب رقابهم، وهو يقول: أين محمدكم؟ دعوه ينصركم، وكان هذا النذر كله بإشارة القاضي الفاضل، وهو أرشده إليه وحثه عليه، حتى عقده مع الله عز وجل، فعند ذلك شفاه الله وعافاه من ذلك المرض الذي كان فيه، كفارة لذنوبه، وجاءت البشارات بذلك من كل ناحية، فدقت البشائر وزينت البلاد، وكتب الفاضل من دمشق وهو مقيم بها إلى المظفر عمر أن العافية الناصرية قد استقامت واستفاضت أخبارها، وطلعت بعد الظلمة أنوارها، وظهرت بعد الاختفاء آثارها، وولت العلة ولله الحمد والمنة، وطفئت نارها، وانجلى غبارها، وخمد شرارها، وما كانت إلا فلتة وقى الله شرها وشنارها، وعظمية كفى الله الإسلام عارها، وتوبة امتحن الله بها نفوسنا، فرأى أقل ما عندها صبرنا، وما كان الله ليضيع الدعاء وقد أخلصته القلوب، ولا تتوقف الإجابة وإن سدت طريقها الذنوب، ولا ليخلف وعد فرج وقد أيس الصاحب والمصحوب:

نعي زاد فيه الدهر ميما ... فأصبح بعد بؤساه نعيما

وما صدق النذير به لانى ... رأيت الشمس تطلع والنجوما

وقد استقبل مولانا السلطان الملك الناصر غضة جديدة، والعزمة ماضية حديدة، والنشاط إلى الجهاد، والتوبة لرب العباد، والجنة مبسوطة البساط، وقد انقضى الحساب وجزنا الصراط، وعرضنا نحن على الأهوال التي من خوفها كاد الجمل يلج بسم الخياط. ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم ركب فدخل دمشق، وقد تكاملت عافيته، وقد كان يوما مشهودا.

وفيها توفى من الأعيان ص 316

الفقيه مهذب الدين.

عبد الله بن أسعد الموصلي ص 316

مدرس حمص، وكان بارعا في فنون، ولا سيما في الشعر والأدب، وقد أثنى عليه العماد، والشيخ شهاب الدين أبو شامة.

الأمير ناصر الدين محمد بن شيركوه ص 316

صاحب حمص والرحبة، وهو ابن عم صلاح الدين، وزوج أخته ست الشام بنت أيوب، توفى بحمص فنقلته زوجته إلى تربتها بالشامية البرانية، وقبره الأوسط بينها وبين أخيها المعظم توران شاه صاحب اليمن، وقد خلف من الأموال والذخائر شيئا كثيرا، ينيف على ألف ألف دينار توفى يوم عرفة فجأة فولى بعده مملكة حمص ولده أسد الدين شيركوه بأمر صلاح الدين.

المحمودي بن محمد بن علي بن إسماعيل ص 316

ابن عبد الرحيم الشيخ جمال الدين أبو الثناء محمودي بن الصابوني، كان أحد الأئمة المشهورين، وإنما يقال له المحمودي لصحبة جده السلطان محمود بن زنكي، فأكرمه ثم سار إلى مصر فنزلها، وكان صلاح الدين يكرمه، وأوقف عليه وعلى ذريته أرضا، فهي لهم إلى الآن.

الأمير الكبير سعد الدين مسعود ص 316

ابن معين الدين، كان من كبار الأمراء أيام نور الدين وصلاح الدين، وهو أخو الست خاتون وحين تزوجها صلاح الدين زوجه بأخته الست ربيعة خاتون بنت أيوب، التي تنسب إليها المدرسة الصاحبية بسفح قيسون على الحنابلة، وقد تأخرت مدتها فتوفيت في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكانت آخر من بقي من أولاد أيوب لصلبه، وكانت وفاته بدمشق في جمادى الآخرة من جرح أصابه وهو في حصار ميافارقين.

الست خاتون عصمت الدين ص 316

بنت معين الدين، نائب دمشق، وأتابك عساكرها قبل نور الدين كما تقدم، وقد كانت زوجة نور الدين ثم خلف عليها من بعده صلاح الدين في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وكانت من أحسن النساء وأعفهن وأكبرهن صدقة، وهي واقفة الخاتونية الجوانية بمحلة حجر الذهب،

وخانقات خاتون ظاهر باب النصر في أول الشرف القبلي على بانياس، ودفنت بتربتها في سفح قائسون قريبا من قباب السركسية، وإلى جنبها دار الحديث الأشرفية والأتابكية، ولها أوقاف كثيرة غير ذلك، وأما الخاتونية البرانية التي على القنوات بمحلة صنعاء الشام، ويعرف ذلك المكان التي هي فيه بتل الثعالب، فهي من إنشاء الست زمرد خاتون بنت جاولى، وهي أخت الملك دقماق لأمه، وكانت زوجة زنكي والد نور الدين محمود، صاحب حلب، وقد ماتت قبل هذا الحين كما تقدمت وفاتها

الحافظ الكبير أبو موسى المديني ص 317

محمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ الموسوي المديني، أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين له مصنفات عديدة، وشرح أحاديث كثيرة رحمه الله.

السهيلي أبو القاسم ص 317

وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح- هو الداخل إلى الأندلس- الخثعمي السهيلي، حكى القاضي ابن خلكان أنه أملى عليه نسبه كذلك، قال والسهيلي نسبة إلى قرية بالقرب من مالقة اسمها سهيل، لأنه لا يرى سهيل النجم في شيء من تلك البلاد إلا منها من رأس جبل شاهق عندها، وهي من قرى المغرب، ولد السهيلي سنة ثمان وخمسمائة، وقرأ القراءات واشتغل وحصل حتى برع وساد أهل زمانه بقوة القريحة وجودة الذهن وحسن التصنيف، وذلك من فضل الله تعالى ورحمته، وكان ضريرا مع ذلك، له الروض الأنف يذكر فيه نكتا حسنة على السيرة لم يسبق إلى شيء منها أو إلى أكثرها، وله كتاب الإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام، وكتاب نتائج الفكر، ومسألة في الفرائض بديعة، ومسألة في سر كون الدجال أعور، وأشياء فريدة كثيرة بديعة مفيدة، وله أشعار حسنة، وكان عفيفا فقيرا، وقد حصل له مال كثير في آخر عمره من صاحب مراكش، مات يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان من هذه السنة، وله قصيدة كان يدعو الله بها ويرتجي الاجابة فيها وهي:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع ... أنت المعد لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها ... يا من إليه المشتكى والمفزع

يا من خزائن رزقه في قول كن ... امنن فإن الخير عندك أجمع

ما لي سوى فقري إليك وسيلة ... فبالافتقار إليك فقري أدفع

ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ... فلئن رددت فأي باب أقرع؟

ومن الذي أرجو وأهتف باسمه ... إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟

حاشا لمجدك أن تقنط عاصيا ... الفضل أجزل والمواهب أوسع

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.