ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة
ص 301
وفيها كانت وقعة مرج عيون استهلت هذه السنة والسلطان صلاح الدين الناصر نازل بجيشه على تل القاضي ببانياس، ثم قصده الفرنج بجمعهم فنهض إليهم فما هو إلا أن التقى الفريقان واصطدم الجندان، فأنزل الله نصره وأعز جنده، فولت ألوية الصلبان ذاهبة وخيل الله لركابهم راكبة، فقتل منهم خلق كثير، وأسر من ملوكهم جماعة، وأنابوا إلى السمع والطاعة، منهم مقدم الداوية ومقدم الابسباتارية وصاحب الرملة وصاحب طبرية وقسطلان يافا وآخرون من ملوكهم، وخلق من شجعانهم وأبطالهم، ومن فرسان القدس جماعة كثيرون تقريبا من ثلاثمائة أسير من أشرافهم، فصاروا يهانون في القيود. قال العماد: فاستعرضهم السلطان في الليل حتى أضاء الفجر، وصلى يومئذ الصبح بوضوء العشاء، وكان جالسا ليلتئذ في نحو العشرين والفرنج كثير، فسلمه الله منهم، ثم أرسلهم إلى دمشق ليعتقلوا بقلعتها، فافتدى ابن البارزانى صاحب الرملة نفسه بمائة ألف وخمسين ألف دينار صورية، وإطلاق ألف أسير من بلاده، فأجيب إلى ذلك، وافتدى جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة، ومنهم من مات في السجن، واتفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان بالفرنج بمرج عيون، ظهر أسطول المسلمين على بطشة للفرنج في البحر وأخرى معها فغنموا منها ألف رأس من السبي، وعاد إلى الساحل مؤيدا منصورا، وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة، وكتب بذلك إلى بغداد فدقت البشائر بها فرحا وسرورا، وكان الملك المظفر تقي الدين عمر غائبا عن هذه الوقعة مشتغلا بما هو أعظم منها، وذلك أن ملك الروم قرارسلان بعث يطلب حصن رعنان، وزعم أن نور الدين اغتصبه منه، وأن ولده قد عصى، فلم يجبه إلى ذلك السلطان، فبعث صاحب الروم
عشرين ألف مقاتل يحاصرونه، فأرسل السلطان تقي الدين عمر في ثمانمائة فارس منهم سيف الدين على بن أحمد المشطوب، فالتقوا معهم فهزموهم باذن الله، واستقرت يد صلاح الدين على حصن رعنان، وقد كان مما عوض به ابن مقدم عن بعلبك، وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة ويرى أنه قد هزم عشرين ألفا، وقيل ثلاثين ألفا بثمانمائة، وكان السبب في ذلك أنه بيتهم وأغار عليهم، فما لبثوا بل فروا منهزمين عن آخرهم، فأكثر فيهم القتل واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم، ويقال إنه كسرهم يوم كسر السلطان الفرنج بمرج عيون والله أعلم.
ذكر تخريب حصن الأحزان
ص 302
وهو قريب من صفد. ثم ركب السلطان إلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في العام الماضي وحفروا فيه بئرا وجعلوه لهم عينا، وسلموه إلى الداوية، فقصده السلطان فحاصره ونقبه من جميع جهاته، وألقى فيه النيران وخربه إلى الأساس، وغنم جميع ما فيه، فكان فيه مائة ألف قطعة من السلاح، ومن المأكل شيء كثير، وأخذ منه سبعمائة أسير فقتل بعضا وأرسل إلى دمشق الباقي، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا، غير أنه مات من أمرائه عشرة بسبب ما نالهم من الحر والوباء في مدة الحصار، وكانت أربعة عشر يوما، ثم إن الناس زاروا مشهد يعقوب على عادتهم، وقد امتدحه الشعراء فقال بعضهم:
بجدك أعطاف القنا قد تعطفت ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف
شهاب هدى في ظلمة الليل ثاقب ... وسيف إذا ما هزه الله مرهف
وقفت على حصن المحاض وإنه ... لموقف حق لا يوازيه موقف
فلم يبد وجه الأرض بل حال دونه ... رجال كآساد الثرى وهي ترجف
وجرد سلهوب ودرع مضاعف ... وأبيض هندي ولدن مهفهف
وما رجعت أعلامك البيض ساعة ... إلا غدت أكبادها السود ترجف
كنائس أغياد صليب وبيعة ... وشاد به دين حنيف ومصحف
صليب وعباد الصليب ومنزل ... لنوال قد غادرته وهو صفصف
أتسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها وهي تحلف
نصحتكم والنصح في الدين واجب ... ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف
وقال آخر:
هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها
ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها
من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى بغداد في خراب هذا الحصن. وقد قيس عرض حائطه فزاد على عشرة أذرع وقطعت له عظام الحجارة كل فص منها سبعة أذرع، إلى ما فوقها وما دونها، وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر الحجر في بنيانه إلا بأربعة دنانير فما فوقها، وفيما بين الحائطين حشو من الحجارة الضخمة الصم، أتوا بها من رءوس الجبال الشم، وقد جعلت شعبيته بالكلس الذي إذا أحاطت بالحجر مازجه بمثل جسمه، ولا يستطيع الحديد أن يتعرض إلى هدمه. وفيها أقطع صلاح الدين ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بعلبك. وأغار فيها على صفت وأعمالها، فقتل طائفة كبيرة من مقاتليها، وكان فروخ شاه من الصناديد الأبطال.
وفيها حج القاضي الفاضل من دمشق وعاد إلى مصر فقاسى في الطريق أهوالا، ولقي ترحا وتعبا وكلالا، وكان في العام الماضي قد حج من مصر وعاد إلى الشام، وكان ذلك العام في حقه أسهل من هذا العام. وفيها كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع وقرى، ومات خلق كثير فيها من الورى، وسقط من رءوس الجبال صخور كبار، وصادمت بين الجبال في البراري والقفار، مع بعد ما بين الجبال من الأقطار. وفيها أصاب الناس غلاء شديد وفناء شريد وجهد جهيد، فمات خلق كثير بهذا وهذا، ف إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156.
ذكر وفاة المستضيء بأمر الله وشيء من ترجمته
ص 303
كان ابتداء مرضه أواخر شوال فأرادت زوجته أن تكتم ذلك فلم يمكنها، ووقعت فتنة كبيرة ببغداد ونهبت العوام دورا كثيرة، وأموالا جزيلة، فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال خطب لولي العهد أبي العباس أحمد بن المستضيء، وهو الخليفة الناصر لدين الله، وكان يوما مشهودا نثر الذهب فيه على الخطباء والمؤذنين، ومن حضر ذلك، عند ذكر اسمه على المنبر. وكان مرضه بالحمى ابتدأ فيها يوم عيد الفطر، ولم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهرا، ومات سلخ شوال، وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وكانت مدة خلافته تسع سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما، وغسل وصلي عليه من الغد. ودفن بدار النصر التي بناها، وذلك عن وصيته التي أوصاها، وترك ولدين أحدهما ولى عهده وهو عدة الدنيا والدين، أبو العباس أحمد الناصر لدين الله، والآخر أبو منصور هاشم، وقد وزر له جماعة من الرؤساء، وكان من خيار الخلفاء، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، مزيلا عن الناس المكوسات والضرائب، مبطلا للبدع والمعايب، وكان حليما وقورا كريما، وبويع بالخلافة من بعده لولده الناصر.
إبراهيم بن علي
ص 303
أبو إسحاق الفقه الشافعي، المعروف بابن الفراء الأموي ثم البغدادي، كان فاضلا مناظرا
فصيحا بليغا شاعرا، توفي عن أربع وسبعين سنة، وصلى عليه أبو الحسن القزويني مدرس النظامية
ذكر خلافة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله
ص 304
لما توفي أبوه في سلخ شوال من سنة خمس وسبعين وخمسمائة، بايعه الأمراء والوزراء والكبراء والخاصة والعامة، وكان قد خطب له على المنابر في حياة أبيه قبل موته بيسير، فقيل إنه إنما عهد له قبل موته بيوم، وقيل بأسبوع، ولكن قدر الله أنه لم يختلف عليه اثنان بعد وفاة أبيه، ولقب بالناصر، ولم يل الخلافة من بني العباس قبله أطول مدة منه، فإنه مكث خليفة إلى سنة وفاته في ثلاث وعشرين وستمائة، وكان ذكيا شجاعا مهيبا كما سيأتي ذكر سيرته عند وفاته. وفي سابع ذي القعدة من هذه السنة عزل صاحب المخزن ظهير الدين أبو بكر بن العطار، وأهين غاية الإهانة، هو وأصحابه وقتل خلق منهم، وشهر في البلد، وتمكن أمر الخليفة الناصر وعظمت هيبته في البلاد، وقام قائم الخلافة في جميع الأمور. ولما حضر عيد الأضحى أقيم على ما جرت به العادة والله أعلم.