ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة
ص 286
استهلت [هذه السنة] والسلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب قد عزم على الدخول إلى بلاد الشام لأجل حفظه من الفرنج، ولكن دهمه أمر شغله عنه، وذلك أن الفرنج قدموا إلى الساحل المصري في أسطول لم يسمع بمثله، وكثرة مراكب وآلات من الحرب والحصار والمقاتلة، من جملة ذلك مائتي شيني في كل منها مائة وخمسون مقاتلا، وأربعمائة قطعة أخرى، وكان قدومهم من صقلية إلى ظاهر إسكندرية قبل رأس السنة بأربعة أيام، فنصبوا المنجنيقات والدبابات حول البلد، وبرز إليهم أهلها فقاتلوهم دونها قتالا شديدا أياما، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم اتفق أهل البلد على حريق المنجانيق والدبابات ففعلوا ذلك، فأضعف ذلك قلوب الفرنج، ثم كبسهم المسلمون فقتلوا منهم جماعة وغنموا منهم ما أرادوا، فانهزم الفرنج في كل وجه، ولم يكن لهم ملجأ إلا البحر أو القتل أو الأسر، واستحوذ المسلمون على أموالهم وعلى خيولهم وخيامهم، وبالجملة قتلوا خلقا من الرجال وركب من بقي منهم في أسطول إلى بلادهم خائبين.
ومما عوق الملك الناصر عن الشام أيضا أن رجلا يعرف بالكنز سماه بعضهم عباس بن شادي
وكان من مقدمي الديار المصرية والدولة الفاطمية، كان قد استند إلى بلد يقال له أسوان، وجعل يجمع عليه الناس، فاجتمع عليه خلق كثير من الرعاع من الحاضرة والغربان والرعيان، وكان يزعم إليهم أنه سيعيد الدولة الفاطمية، ويدحض الأتابكة التركية، فالتف عليه خلق كثير، ثم قصدوا قوص وأعمالها، وقتل طائفة من أمرائها ورجالها، فجرد إليه صلاح الدين طائفة من الجيش وأمر عليهم أخاه الملك العادل أبا بكر الكردي، فلما التقيا هزمه أبو بكر وأسر أهله وقتله.
فصل
ص 287
</span>
فلما تمهدت البلاد ولم يبق بها رأس من الدولة العبيدية، برز السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف في الجيوش التركية قاصدا البلاد الشامية، وذلك حين مات سلطانها نور الدين محمود بن زنكي وأخيف سكانها وتضعضعت أركانها، واختلف حكامها، وفسد نقضها وإبرامها، وقصده جمع شملها والإحسان إلى أهلها، وأمن سهلها وجبلها، ونصرة الإسلام ودفع الطغام وإظهار القرآن وإخفاء سائر الأديان، وتكسير الصلبان في رضى الرحمن، وإرغام الشيطان. فنزل البركة في مستهل صفر وأقام بها حتى اجتمع عليه العسكر واستناب على مصر أخاه أبا بكر، ثم سار إلى بلبيس في الثالث عشر من ربيع الأول، فدخل مدينة دمشق في يوم الاثنين سلخ ربيع الأول، ولم ينتطح فيها عنزان، ولا اختلف عليه سيفان، وذلك أن نائبها شمس الدين بن مقدم كان قد كتب إليه أولا فأغلظ له في الكتاب، فلما رأى أمره متوجها جعل يكاتبه ويستحثه على القدوم إلى دمشق، ويعده بتسليم البلد، فلما رأى الجد لم يمكنه المخالفة، فسلم البلد إليه بلا مدافعة، فنزل السلطان أولا في دار والده دار العقيلي التي بناها الملك الظاهر بيبرس مدرسة، وجاء أعيان البلد للسلام عليه فرأوا منه غاية الإحسان، وكان نائب القلعة إذ ذاك الطواشى ريحان، فكاتبه وأجزل نواله حتى سلمها إليه، ثم نزل إليه فأكرمه واحترمه، ثم أظهر السلطان أنه أحق الناس بتربية ولد نور الدين، لما لنور الدين عليهم من الإحسان المتين، وذكر أنه خطب لنور الدين بالديار المصرية، ثم إن السلطان عامل الناس بالإحسان وأمر بإبطال ما أحدث بعد نور الدين من المكوس والضرائب، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ولله عاقبة الأمور.
فصل
فلما استقرت له دمشق بحذافيرها نهض إلى حلب مسرعا لما فيها من التخبيط والتخليط، واستناب على دمشق أخاه طغتكين بن أيوب الملقب بسيف الإسلام، فلما اجتاز حمص أخذ ربضها
ولم يشتغل بقلعتها، ثم سار إلى حماة فتسلمها من صاحبها عز الدين بن جبريل، وسأله أن يكون سفيره بينه وبين الحلبيين، فأجابه إلى ذلك، فسار إليهم فحذرهم بأس صلاح الدين فلم يلتفتوا إليه، بل أمروا بسجنه واعتقاله، فأبطأ الجواب على السلطان، فكتب إليهم كتابا بليغا يلومهم فيه على ما هم فيه من الاختلاف، وعدم الائتلاف، فردوا عليه أسوأ جواب، فأرسل إليهم يذكرهم أيامه وأيام أبيه وعمه في خدمة نور الدين في المواقف المحمودة التي يشهد لهم بها أهل الدين، ثم سار إلى حلب فنزل على جبل جوشن، ثم نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق، فاجتمعوا فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين فتودد إليهم وتباكى لديهم وحرضهم على قتال صلاح الدين، وذلك عن إشارة الأمراء المقدمين، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كل أحد، وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بحي على خير العمل، وأن يذكر في الأسواق، وأن يكون لهم في الجامع الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبروا على الجنازة خمسا، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف أبى طاهر بن أبى المكارم حمزة بن زاهر الحسيني، فأجيبوا إلى ذلك كله، فأذن بالجامع وسائر البلد بحي على خير العمل، وعجز أهل البلد عن مقاومة الناصر، وأعملوا في كيده كل خاطر، فأرسلوا أولا إلى شيبان صاحب الحسبة فأرسل نفرا من أصحابه إلى الناصر ليقتلوه فلم يظفر منه بشيء، بل قتلوا بعض الأمراء، ثم ظهر عليهم فقتلوا عن آخرهم، فراسلوا عند ذلك القومص صاحب طرابلس الفرنجي، ووعدوه بأموال جزيلة إن هو رحل عنهم الناصر، وكان هذا القومص قد أسره نور الدين وهو معتقل عنده مدة عشر سنين، ثم افتدى نفسه بمائة ألف دينار وألف أسير من المسلمين، وكان لا ينساها لنور الدين، بل قصد لحمص ليأخذها فركب إليه السلطان الناصر، وقد أرسل السلطان إلى بلده طرابلس سرية فقتلوا وأسروا وغنموا، فلما اقترب الناصر منه نكص على عقبيه راجعا إلى بلده، ورأى أنه قد أجابهم إلى ما أرادوا منه، فلما فصل الناصر إلى حمص لم يكن قد أخذ قلعتها فتصدى لأخذها، فنصب عليها المنجنيقات فأخذها قسرا وملكها قهرا، ثم كر راجعا إلى حلب، فأناله الله في هذه الكرة ما طلب، فلما نزل بها كتب إليهم القاضي الفاضل على لسان السلطان كتابا بليغا فصيحا فائقا رائقا، على يدي الخطيب شمس الدين يقول فيه: «فإذا قضى التسليم حق اللقاء فاستدعى الإخلاص جهد الدعا، فليعد وليعد حوادث ما كان حديثا يفترى، وحواري أمور إن قال فيها كثيرا فأكثر منه ما قد جرى، ويشرح صدر منها لعله يشرح منها صدرا، وليوضح الأحوال المستبشرة فان الله لا يعبد سرا.
ومن العجائب أن تسير غرائب ... في الأرض لم يعلم بها المأمول
كالعيس أقتل ما يكون لها الصدى ... والماء فوق ظهورها محمول
فإنا كنا نقتبس النار بأكفنا، وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، ونلتقي السهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، والأبدان تسترد بضاعتنا بموقف العدل الذي يرد به المغصوب ونظهر طاعتنا فتأخذ بحظ كما أخذ بحظ القلوب، وكان أول أمرنا أنا كنا في الشام نفتح الفتوح بمباشرتنا أنفسنا، ونجاهد الكفار متقدمين بعساكرنا، نحن ووالدنا وعمنا، فأى مدينة فتحت أو أي معقل للعدو أو عسكر أو مصاف للإسلام معه ضرب؟ فما يجهل أحد صنعنا، ولا يجحد عدونا أن يصطلى الجمرة ونملك الكرة، ونقدم الجماعة ونرتب المقاتلة، وندبر التعبئة، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها» ثم ذكر ما صنعوا بمصر من كسر الكفر وإزالة المنكر وقمع الفرنج وهدم البدع، وما بسط من العدل ونشر من الفضل، وما أقامه من الخطب العباسية ببلاد مصر والدين والنوبة وإفريقية وغير ذلك، بكلام بسيط حسن.
فلما وصلهم الكتاب أساءوا الجواب، وقد كانوا كاتبوا صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود أخي نور الدين محمود بن زنكي، فبعث إليهم أخاه عز الدين في عساكره، وأقبل إليهم في دساكره، وانضاف إليهم الحلبيون وقصدوا حماة في غيبة الناصر واشتغاله بقلعة حمص وعمارتها، فلما بلغه خبرهم سار إليهم في قل من الجيش، فانتهى إليهم وهم في جحافل كثيرة، فواقفوه وطمعوا فيه لقلة من معه، وهموا بمناجزته فجعل يداريهم ويدعوهم إلى المصالحة لعل الجيش يلحقونه، حتى قال لهم في جملة ما قال: أنا أقنع بدمشق وحدها وأقيم بها الخطبة للملك الصالح إسماعيل، وأترك ما عداها من أرض الشام، فامتنع من المصالحة الخادم سعد الدولة كمشتكين، إلا أن يجعل لهم الرحبة التي هي بيد ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين، فقال ليس لي ذلك، ولا أقدر عليه، فأبوا الصلح وأقدموا على القتال، فجعل جيشه كردوسا واحدا، وذلك يوم الأحد التاسع عشر من رمضان عند قرون حماة، وصبر صبرا عظيما، وجاء في أثناء الحال ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه ومعه أخوه فروخ شاه في طائفة من الجيش، وقد ترجح دسته عليهم، وخلص رعبه إليهم، فولوا هنالك هاربين، وتولوا منهزمين، فأسر من أسر من رءوسهم، ونادى أن لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح ثم أطلق من وقع في أسره وسار على الفور إلى حلب، وقد انعكس عليهم الحال وآلوا إلى شر مآل فبالأمس كان يطلب منهم المصالحة والمسالمة، وهم اليوم يطلبون منه أن يكف عنهم ويرجع، على أن المعرة وكفر طاب وماردين له زيادة على ما بيده من أراضي حماه وحمص، فقبل ذلك وكف عنهم وحلف على أن لا يغزو بعدها الملك الصالح، وأن يدعو له على سائر منابر بلاده، وشفع في بنى الداية أخوه مجد الدين، على أن يخرجوا، ففعل ذلك ثم رجع مؤيدا منصورا.
فلما كان بحماة وصلت إليه رسل الخليفة المستضيء بأمر الله بالخلع السنية والتشريفات العباسية
والأعلام السود، والتوقيع من الديوان بالسلطنة ببلاد مصر والشام، وأفيضت الخلع على أهله وأقاربه وأصحابه وأعوانه، وكان يوما مشهودا. واستناب على حماة ابن خاله وصهره الأمير شهاب الدين محمود، ثم سار إلى حمص فأطلقها إلى ابن عمه ناصر الدين، كما كانت من قبله لأبيه شيركوه أسد الدين، ثم بعلبك على البقاع إلى دمشق في ذي القعدة.
وفيها ظهر رجل من قرية مشغرى من معاملة دمشق وكان مغربيا فادعى النبوة، وأظهر شيئا من المخاريق والمحاييل والشعبذة والأبواب النارنجية، فافتتن به طوائف من الهمج والعوام، فتطلبه السلطان فهرب إلى معاملة حلب، فالف عليه كل مقطوع الذنب، وأضل خلقا من الفلاحين، وتزوج امرأة أحبها، وكانت من أهل تلك البطائح فعلمها أن ادعت النبوة، فأشبها قصة مسيلمة وسجاح. وفيها هرب وزير الخليفة ونهبت داره. وفيها درس أبو الفرج ابن الجوزي بمدرسة أنشئت للحنابلة فحضر عنده قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني والفقهاء والكبراء، وكان يوما مشهودا، وخلعت عليه خلعة سنية.