الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
164

ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة

الجزء الثاني عشر 4 عنصر صفحة 269
ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة ص 269

فيها أرسل نور الدين إلى صلاح الدين- وكان الرسول الموفق خالد بن القيسراني- ليقيم حساب الديار المصرية، وذلك لأن نور الدين استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد، ومقصوده أن يقرر على الديار المصرية خراجا منها في كل عام. وفيها حاصر صلاح الدين الكرك والشوبك فضيق على أهلها، وخرب أماكن كثيرة من معاملاتها، ولكن لم يظفر بها عامه ذلك. وفيها اجتمعت الفرنج بالشام لقصد زرع [1] ، فوصلوا إلى سمسكين فبرز إليهم نور الدين فهربوا منه إلى الغور، ثم إلى السواد، ثم إلى الشلالة، فبعث سرية إلى طبرية فعاثوا هنالك وسبوا وقتلوا وغنموا وعادوا سالمين، ورجع الفرنج خائبين. وفيها أرسل السلطان صلاح الدين أخاه شمس الدولة نور شاه إلى بلاد النوبة فافتتحها، واستحوذ على معقلها وهو حصن يقال له إبريم، ولما رآها بلدة قليلة الجدوى لا يفي خراجها بكلفتها، استخلف على الحصن المذكور رجلا من الأكراد يقال له إبراهيم، فجعله مقدما مقررا بحصن إبريم، وانضاف إليه جماعة من الأكراد البطالين، فكثرت أموالهم وحسنت أحوالهم هنالك وشنوا الغارات وحصلوا على الغنائم.

وفيها كانت وفاة الأمير نجم الدين أيوب بن شادى والد صلاح الدين، سقط عن فرسه فمات وسنأتي على ترجمته في الوفيات. وفيها سار الملك نور الدين إلى بلاد عز الدين قلج أرسلان بن مسعود ابن قلج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وأصلح ما وجده فيها من الخلل. ثم سار فافتتح مرعش وبهسنا، وعمل في كل منهما بالحسنى. قال العماد: وفيها وصل الفقيه الإمام الكبير قطب الدين النيسابوري، وهو فقيه عصره ونسيج وحده، فسر به نور الدين وأنزله بحلب بمدرسة باب العراق، ثم أتى به إلى دمشق فدرس بزاوية جامع الغربية المعروفة بالشيخ نصر المقدسي، ثم نزل بمدرسة الحاروق، ثم شرع نور الدين بإنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك. قال أبو شامة: وهي العادلية الكبيرة التي عمرها بعد ذلك الملك العادل أبو بكر بن أيوب. وفيها رجع شهاب الدين بن أبي عصرون من بغداد وقد أدى الرسالة بالخطبة العباسية بالديار المصرية، ومعه توقيع من الخلافة باقطاع درب هارون وصريفين لنور الدين، وقد كانتا قديما لأبيه عماد الدين زنكي، فأراد نور الدين أن ينشئ ببغداد مدرسة على حافة الدجلة، ويجعل هذين المكانين وقفا عليها فعاقه القدر عن ذلك. وفيها وقعت بناحية خوارزم حروب كثيرة بين سلطان شاه وبين أعدائه، استقصاها ابن الأثير وابن الساعي.

وفيها هزم ملك الأرمن مليح بن ليون عساكر الروم، وغنم منهم شيئا كثيرا، وبعث إلى نور الدين بأموال كثيرة، وثلاثين رأسا من رءوس كبارهم، فأرسلها نور الدين إلى الخليفة المستضيء. وفيها بعث صلاح الدين سرية صحبه قراقرش مملوك تقى الدين عمر ابن شاهنشاه إلى بلاد إفريقية، فملكوا طائفة كثيرة منها، من ذلك مدينة طرابلس الغرب وعدة مدن معها.

إيلدكز التركي الأتابكي ص 270

صاحب أذربيجان وغيرها، كان مملوكا للكمال السميرمى، وزير السلطان محمود، ثم علا أمره وتمكن وملك بلاد أذربيجان وبلاد الجبل وغيرها، وكان عادلا منصفا شجاعا محسنا إلى الرعية، توفى بهمدان

الأمير نجم الدين أبو الشكر أيوب بن شادى ص 270

ابن مروان، زاد بعضهم بعد مروان بن يعقوب، والذي عليه جمهورهم أنه لا يعرف بعد شادى أحد في نسبهم، وأغرب بعضهم وزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وهذا ليس بصحيح، والذي نسب اليه ادعاء هذا هو أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شادى ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه فتعاظم في نفسه وادعى الخلافة وتلقب بالإمام الهادي بنور الله ولهجوا بذلك وقال هو في ذلك:

وأنا الهادي الخليفة والذي ... أدوس رقاب الغلب بالضمر الجرد

ولا بد من بغداد أطوى ربوعها ... وأنشرها نشر الشماس على البرد

وأنصب أعلامي على شرفاتها ... وأحيي بها ما كان أسسه جدي

ويخطب لي فيها على كل منبر ... وأظهر أمر الله في الغور والنجد

وما ادعاه ليس بصحيح، ولا أصل له يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه، والمقصود أن الأمير نجم الدين كان أسن من أخيه أسد الدين شيركوه، ولد بأرض الموصل، كان الأمير نجم الدين شجاعا، خدم الملك محمد بن ملك شاه فرأى فيه شهامة وأمانة، فولاه قلعة تكريت، فحكم فيها فعدل، وكان من أكرم الناس، ثم أقطعها الملك مسعود لمجاهد الدين نهروز شحنة العراق، فاستمر فيها، فاجتاز به في بعض الأحيان الملك عماد الدين زنكي منهزما من قراجا الساقي فآواه وخدمه خدمة بالغة تامة، وداوى جراحاته وأقام عنده مدة خمسة عشر يوما، ثم ارتحل إلى بلده الموصل، ثم اتفق أن نجم الدين أيوب عاقب رجلا نصرانيا فقتله، وقيل إنما قتله أخوه أسد الدين شيركوه، وهذا بخلاف الذي ذكره ابن خلكان، فإنه قال: رجعت جارية من بعض الخدم فذكرت له أنه تعرض لها إسفهسلار الذي بباب القلعة، فخرج إليه أسد الدين فطعنه بحربة فقتله، فحبسه أخوه نجم الدين وكتب إلى مجاهد الدين نهروز يخبره بصورة الحال، فكتب إليه يقول: إن أباكما كانت

له علي خدمة، وكان قد استنابه في هذه القلعة قبل ابنه نجم الدين أيوب، وإني أكره أن أسوأ كما، ولكن انتقلا منها. فأخرجهما نهروز من قلعته. وفي ليلة خروجه منها ولد له الملك الناصر صلاح الدين يوسف. قال فتشاءمت به لفقدى بلدي ووطني، فقال له بعض الناس: قد نرى ما أنت فيه من التشاؤم بهذا المولود فما يؤمنك أن يكون هذا المولود ملكا عظيما له صيت؟ فكان كما قال، فاتصلا بخدمة الملك عماد الدين زنكي أبى نور الدين، ثم كانا عند نور الدين متقدمان عنده، وارتفعت منزلتهما وعظما، فاستناب نور الدين نجم الدين أيوب على بعلبك، وكان أسد الدين من أكبر أمرائه، ولما تسلم بعلبك أقام مدة طويلة، وولد له فيها أكثر أولاده، ثم كان من أمره ما ذكرناه في دخوله الديار المصرية. ثم أنه في ذي الحجة سقط عن فرسه فمات بعد ثمانية أيام في اليوم السابع والعشرين من ذي الحجة من هذه السنة، وكان ابنه صلاح الدين محاصر الكرك غائبا عنه، فلما بلغه خبر موته تألم لغيبته عن حضوره، وأرسل يتحرق ويتحزن، وأنشد:

وتخطفه يد الردى في غيبتي ... هبني حضرت، فكنت ماذا أصنع؟

وقد كان نجم الدين أيوب كثير الصلاة والصدقة والصيام، كريم النفس جوادا ممدحا. قال ابن خلكان: وله خانقاه بالديار المصرية، ومسجد وقناة خارج باب النصر من القاهرة، وقفها في سنة ست وستين. قلت: وله بدمشق خانقاه أيضا، تعرف بالنجمية، وقد استنابه ابنه على الديار المصرية حين خرج إلى الكرك، وحكمه في الخزائن، وكان من أكرم الناس، وقد امتدحه الشعراء كالعماد وغيره ورثوه بمراث كثيرة، وقد ذكر ذلك مستقصى الشيخ أبو شامة في الروضتين، ودفن مع أخيه أسد الدين بدار الإمارة، ثم نقلا إلى المدينة النبوية في سنة ثمانين، فدفنا بتربة الوزير جمال الدين الموصلي، الذي كان مواخيا لأسد الدين شيركوه، وهو الجمال المتقدم ذكره، الذي ليس بين تربته ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مقدار سبعة عشر ذراعا، فدفنا عنده. قال أبو شامة: وفي هذه السنة توفي ملك الرافضة والنحاة.

الحسن بن ضافى بن بزدن التركي ص 271

كان من أكابر أمراء بغداد المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيا خبيثا متعصبا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه، حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة في ذي الحجة منها، ودفن بداره ثم نقل إلى مقابر قريش فلله الحمد والمنة. وحين مات فرح أهل السنة بموته فرحا شديدا، وأظهروا الشكر لله، فلا تجد أحدا منهم إلا بحمد الله، فغضب الشيعة من ذلك، ونشأت بينهم فتنة بسبب ذلك.

وذكر ابن الساعي في تاريخه أنه كان في صغره شابا حسنا مليحا معشوقا للأكابر من الناس. قال ولشيخنا أبي اليمن الكندي فيه، وقد رمدت عينه:

بكل صباح لي وكل عشية ... وقوف على أبوابكم وسلام

وقد قيل لي يشكو سقاما بعينه ... فها نحن منها نشتكي ونضام

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.