109
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
الجزء الثاني عشر
4 عنصر
صفحة 183
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
ص 183
فيها كانت الحروب الشديدة بين السلطان محمود بن محمد وبين عمه السلطان سنجر بن ملك شاه وكان النصر فيها السنجر، فخطب له ببغداد في سادس عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وقطعت خطبة ابن أخيه في سائر أعماله. وفيها سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة وملكوها، وقتلوا من أهلها خلقا، فسار إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أرتق في جيش كثيف، فهزمهم ولحقهم إلى جبل قد تحصنوا به، فقتل منهم هنالك مقتلة عظيمة، ولله الحمد. ولم يفلت منهم إلا اليسير، وأسر من مقدميهم نيفا وتسعين رجلا، وقتل فيمن قتل سير جال صاحب أنطاكية، وحمل رأسه إلى بغداد، فقال بعض الشعراء في ذلك وقد بالغ مبالغة فاحشة:
قل ما تشاء فقولك المقبول ... وعليك بعد الخالق التعويل
واستبشر القرآن حين نصرته ... وبكى لفقد رجاله الإنجيل
وفيها قتل الأمير منكوبرس الذي كان شحنة بغداد، وكان ظالما غاشما سيئ السيرة، قتله السلطان محمود بن محمد صبرا بين يديه لأمور: منها أنه تزوج سرية أبيه قبل انقضاء عدتها، ونعم ما فعل وقد أراح الله المسلمين منه ما كان أظلمه وأغشمه. وفيها تولى قضاء قضاة بغداد الأكمل أبو القاسم ابن على بن أبى طالب بن محمد الزينبي، وخلع عليه بعد موت أبي الحسن الدامغاني، وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام وقبر ولديه إسحاق ويعقوب، وشاهد ذلك الناس، ولم تبل أجسادهم، وعندهم قناديل من ذهب وفضة، ذكر ذلك ابن الخازن في تاريخه، وأطال نقله من المنتظم لابن الجوزي والله أعلم.
ابن عقيل
ص 183
على بن عقيل بن محمد، أبو ألوفا شيخ الحنابلة ببغداد، وصاحب الفنون وغيرها من التصانيف المفيدة، ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقرأ القرآن على ابن سبطا، وسمع الحديث الكثير، وتفقه بالقاضي أبي يعلى بن الفراء، وقرأ الأدب على ابن برهان، والفرائض على عبد الملك الهمداني، والوعظ على أبي طاهر بن العلاف، صاحب ابن سمعون، والأصول على أبي الوليد المعتزلي، وكان يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب، فربما لامه بعض أصحابه فلا يلوي عليهم، فلهذا برز على أقرانه وساد أهل زمانه في فنون كثيرة، مع صيانة وديانة وحسن صورة وكثرة اشتغال، وقد وعظ في بعض الأحيان فوقعت فتنة فترك ذلك، وقد متعه الله بجميع حواسه إلى حين موته، توفى بكرة الجمعة ثاني جمادى الأولى من هذه السنة، وقد جاوز الثمانين، وكانت جنازته حافلة جدا، ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد، إلى جانب الخادم مخلص رحمه الله.
أبو الحسن على بن محمد الدامغاني
ص 184
قاضي القضاة ابن قاضي القضاة، ولد في رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة، وولى القضاء بباب الطاق من بغداد وله من العمر ست وعشرون سنة، ولا يعرف حاكم قضى لأربعة من الخلفاء غيره إلا شريح، ثم ذكر إمامته وديانته وصيانته مما يدل على نخوته، وتفوقه وقوته، تولى الحكم أربعا وعشرين سنة وستة أشهر، وقبره عند مشهد أبي حنيفة.
المبارك بن على
ص 184
ابن الحسين أبو سعد المخرمي، سمع الحديث وتفقه على مذهب أحمد، وناظر وأفتى ودرس، وجمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى مثلها، وناب في القضاء، وكان حسن السيرة جميل الطريق، سديد الأقضية، وقد بنى مدرسة بباب الأزج وهي المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي الحنبلي، ثم عزل عن القضاء وصودر بأموال جزيلة، وذلك في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وتوفى في المحرم من هذه السنة ودفن إلى جانب أبي بكر الخلال عند قبر أحمد.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.