في هذه السنة استقر أمر الخليفة المطيع لله في دار الخلافة واصطلح معز الدولة بن بويه وناصر الدولة بن حمدان على ذلك، ثم حارب ناصر الدولة تكين التركي فاقتتلا مرات متعددة، ثم ظفر ناصر الدولة بتكين فسمل بين يديه، واستقر أمره بالموصل والجزيرة، واستحوذ ركن الدولة على الري وانتزعها من الخراسانية، واتسعت مملكة بنى بويه جدا، فإنه صار بأيديهم أعمال الري والجبل وأصبهان وفارس والأهواز والعراق، ويحمل إليهم ضمان الموصل وديار ربيعة من الجزيرة وغيرها ثم اقتتل جيش معز الدولة وجيش أبي القاسم البريدي فهزم أصحاب البريدي وأسر من أعيانهم جماعة كثيرة. وفيها وقع الفداء بين الروم والمسلمين على يد نصر المستملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، فكان عدة الأسارى نحوا من ألفين وخمسمائة مسلم ولله الحمد والمنة.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة
القاضي الإستراباذي. روى الكثير وحدث، وكان له مجلس للإملاء، وحكم ببلده مدة طويلة،
وكان من المجتهدين في العبادة المجتهدين بالأسحار، ويضرب به المثل في ظرفه وفكاهته. وقد مات فجأة على صدر جاريته عند إنزاله.
أبو عبد الله الختلي، سمع ابن أبي الدنيا وغيره، وحدث عنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة نبيلا حافظا، حدث من حفظه بخمسين ألف حديث.
عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله بن رغبان بن زيد بن تميم أبو محمد الكلبي الملقب بديك الجن الشاعر الماجن الشيعي. ويقال: إنه من موالي بنى تميم، له أشعار قوية.
خمارية وغير خمارية، وقد استجاد أبو نواس شعره في الخماريات.
أبو الحسن الوزير للمقتدر والقاهر، ولد سنة خمس وأربعين ومائتين وسمع الكثير، وعنه الطبراني وغيره، وكان ثقة نبيلا فاضلا عفيفا، كثير التلاوة والصيام والصلاة، يحب أهل العلم ويكثر مجالستهم، أصله من الفرس، وكان من أكبر القائمين على الحلاج. وروى عنه أنه قال: كسبت سبعمائة ألف دينار أنفقت منها في وجوه الخير ستمائة ألف وثمانين ألفا، ولما دخل مكة حين نفي من بغداد طاف بالبيت وبالصفا والمروة في حر شديد، ثم جاء إلى منزله فألقى نفسه وقال: أشتهى على الله شربة ثلج. فقال له بعض أصحابه: هذا لا يتهيأ هاهنا. فقال: أعرف ولكن سيأتي به الله إذا شاء، وأصبر إلى المساء. فلما كان في أثناء النهار جاءت سحابة فأمطرت وسقط منها برد شديد كثير فجمع له صاحبه من ذلك البرد شيئا كثيرا وخبأه له، وكان الوزير صائما، فلما أمسى جاء به، فلما جاء المسجد أقبل إليه صاحبه بأنواع الأشربة وكلها بثلج، فجعل الوزير يسقيه لمن حواليه من الصوفية والمجاورين، ولم يشرب هو منه شيئا. فلما رجع إلى المنزل جئته بشيء من ذلك الشراب كنا خبأناه له وأقسمت عليه ليشربنه فشربه بعد جهد جهيد، وقال أشتهي لو كنت تمنيت المغفرة. رحمه الله وغفر له. ومن شعره قوله:
فمن كان عني سائلا بشماتة ... لما نابني أو شامتا غير سائل
فقد أبرزت مني الخطوب ابن حرة ... صبورا على أهوال تلك الزلازل
وقد روى أبو القاسم علي بن الحسن التنوخي عن أبيه عن جماعة أن عطارا من أهل الكرخ كان مشهورا بالسنة، ركبه ستمائة دينار دينا فأغلق دكانه وانكسر عن كسبه ولزم منزله، وأقبل على الدعاء والتضرع والصلاة ليالي كثيرة، فلما كان في بعض تلك الليالي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول له: اذهب إلى علي بن عيسى الوزير فقد أمرته لك بأربعمائة دينار. فلما أصبح الرجل قصد
باب الوزير فلم يعرفه أحد، فجلس لعل أحدا يستأذن له على الوزير حتى طال عليه المجلس وهم بالانصراف، ثم إنه قال لبعض الحجبة قل للوزير: إني رجل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأنا أريد أن أقصه على الوزير. فقال له الحاجب: وأنت صاحب الرؤيا؟ إن الوزير قد أنفذ في طلبك رسلا متعددة. ثم دخل الحجاب فأخبروا الوزير فقال: أدخله على سريعا. فدخل عليه فأقبل عليه الوزير يستعلم عن حاله واسمه وصفته ومنزله، فذكر ذلك له، فقال له الوزير: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرني بإعطائك أربعمائة دينار، فأصبحت لا أدرى من أسأل عنك، ولا أعرفك ولا أعرف أين أنت، وقد أرسلت في طلبك إلى الآن عدة رسل فجزاك الله خيرا عن قصدك إياي. ثم أمر الوزير بإحضار ألف دينار فقال: هذه أربعمائة دينار لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وستمائة هبة من عندي.
فقال الرجل: لا والله لا أزيد على ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أرجو الخير والبركة فيه. ثم أخذ منها أربعمائة دينار، فقال الوزير: هذا هو الصدق واليقين. فخرج ومعه الأربعمائة دينار فعرض على أرباب الديون أموالهم فقالوا: نحن نصبر عليك ثلاث سنين، وافتح بهذا الذهب دكانك ودم على كسبك. فأبى إلا أن يعطيهم من أموالهم الثلث، فدفع إليهم مائتي دينار، وفتح حانوته بالمائتى دينار الباقية، فما حال عليه الحول حتى ربح ألف دينار. ولعلي بن عيسى الوزير أخبار كثيرة صالحة. كانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة. ويقال في التي قبلها والله أعلم.
ابن إسحاق بن بحر أبو عبد الله الفارسي الفقيه الشافعي، كان ثقة ثبتا فاضلا، سمع أبا زرعة الدمشقي وغيره، وعنه الدار قطنى وغيره وآخر من حدث عنه أبو عمر بن مهدي، توفى في شوال من هذه السنة.
ابن هارون بن علي بن موسى بن عمرو بن جابر بن يزيد بن جابر بن عامر بن أسيد بن تميم بن صبح بن ذهل بن مالك بن سعيد بن حبنة أبو جعفر، والد القاضي أبي عبد الله الحسن بن هارون.
كان أسلافه ملوك عمان في قديم الزمان، وجده يزيد بن جابر أدرك الإسلام فأسلم وحسن إسلامه، وكان هارون هذا أول من انتقل من أهله من عمان فنزل بغداد وحدث بها، وروى عن أبيه، وكان فاضلا متضلعا من كل فن، وكانت داره مجمع العلماء في سائر الأيام، ونفقاته دارة عليهم، وكان له منزلة عالية، ومهابة ببغداد، وقد أثنى عليه الدار قطنى ثناء كثيرا، وقال: كان مبرزا في النحو واللغة والشعر، ومعاني القرآن، وعلم الكلام.
قال ابن الأثير: وفيها توفي أبو بكر محمد بن عبد الله بن العباس بن صول الصولي، وكان عالما بفنون الآداب والأخبار، وإنما ذكره ابن الجوزي في التي بعدها كما سيأتي.
الفقيه الشافعي، تلميذ ابن سريج، له كتاب التلخيص وكتاب المفتاح، وهو مختصر شرحه أبو عبد الله الحسين، وأبو عبد الله السنجي أيضا، وكان أبوه يقص على الناس الأخبار والآثار، وأما هو فتولى قضاء طرسوس وكان يعظ الناس أيضا، فحصل له مرة خشوع فسقط مغشيا عليه فمات في هذه السنة
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
