ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة
ص 200
قال ابن الجوزي: في المحرم منها ظهر كوكب بذنب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيما جدا، وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحل. قال: وفي نصف ربيع الأول بلغ الكر من الحنطة مائتي دينار، وأكل الضعفاء الميتة، ودام الغلاء وكثر الموت، وتقطعت السبل وشغل الناس بالمرض والفقر، وتركوا دفن الموتى، وشغلوا عن الملاهي واللعب. قال: ثم جاء مطر كأفواه القرب، وبلغت زيادة دجلة عشرين ذراعا وثلثا. وذكر ابن الأثير في الكامل أن محمد بن رائق وقع بينه وبين البريدي وحشة لأجل أن البريدي منع خراج واسط، فركب إليه ابن رائق ليتسلم ما عنده من المال، فوقعت مصالحة ورجع ابن رائق إلى بغداد، فطالبه الجند بأرزاقهم، وضاق عليه حاله، وتحيز جماعة من الأتراك عنه إلى البريدي فضعف جانب ابن رائق وكاتب البريدي بالوزارة ببغداد، ثم قطع اسم الوزارة عنه، فاشتد حنق البريدي عليه، وعزم على أخذ بغداد، فبعث أخاه أبا الحسين في جيش إلى بغداد، فتحصن ابن رائق مع الخليفة بدار الخلافة ونصبت فيها المجانيق والعرادات- العرادة شيء أصغر من المنجنيق- على دجلة أيضا. فاضطربت أهل بغداد ونهب الناس بعضهم بعضا ليلا ونهارا، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد الله البريدي بمن معه فقاتلهم الناس
في البر وفي دجلة، وتفاقم الحال جدا، مع ما الناس فيه من الغلاء والوباء والفناء. ف إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156. ثم إن الخليفة وابن رائق انهزما في جمادى الآخرة- ومع الخليفة ابنه منصور- في عشرين فارسا، فقصدوا نحو الموصل، واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة وقتل من وجد فيها من الحاشية، ونهبوها حتى وصل النهب إلى الحريم، ولم يتعرضوا للقاهر وهو إذ ذاك أعمى مكفوفا، وأخرجوا كورتكين من الحبس، فبعثه أبو الحسين إلى البريدي، فكان آخر العهد به، ونهبوا بغداد جهارا علانية، ونزل أبو الحسين بدار مؤنس الخادم التي كان يسكنها ابن رائق، وكانوا يكبسون الدور ويأخذون ما فيها من الأموال، فكثر الجور وغلت الأسعار جدا، وضرب أبو الحسين المكس على الحنطة والشعير، وذاق أهل بغداد لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وكان معه طائفة كبيرة من القرامطة فأفسدوا في البلد فسادا عظيما، ووقع بينهم وبين الأتراك حروب طويلة شديدة، فغلبهم الترك وأخرجوهم من بغداد، فوقعت الحرب بين العامة والديلم جند أبى الحسين. وفي شعبان منها اشتد الحال أيضا ونهبت المساكن وكبس أهلها ليلا ونهارا، وخرج جند البريدي فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات، وجرى ظلم لم يسمع بمثله. قال ابن الأثير: وإنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض وفي الكتب، ليذكروا بها ويذموا ويعابوا، ذلك لهم خزي في الدنيا وأمرهم إلى الله لعلهم أن يتركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه لله. وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بن حمدان نائب الموصل يستمده ويستحثه على البريدي، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة عليا في جيش كثيف، فلما كان بتكريت إذا الخليفة وابن رائق قد هربا فرجع معهما سيف الدولة إلى أخيه، وخدم سيف الدولة الخليفة خدمة كثيرة. ولما صلوا إلى الموصل خرج عنها ناصر الدولة فنزل شرقها، وأرسل التحف والضيافات، ولم يجئ إلى الخليفة خوفا من الغائلة من جهة ابن رائق، فأرسل الخليفة ولده أبا منصور ومعه ابن رائق للسلام على ناصر الدولة، فصارا إليه فأمر ناصر الدولة أن ينثر الذهب والفضة على رأس ولد الخليفة، وجلسا عنده ساعة، ثم قاما ورجعا، فركب ابن الخليفة وأراد ابن رائق أن يركب معه، فقال له ناصر الدولة: اجلس اليوم عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا، فاعتذر إليه بابن الخليفة واستراب بالأمر وخشي، فقبض ابن حمدان بكمه فجبذه ابن رائق منه فانقطع كمه، وركب سريعا فسقط عن فرسه فأمر ناصر الدولة بقتله فقتل، وذلك يوم الاثنين لسبع بقين من رجب منها. فأرسل الخليفة إلى ابن حمدان فاستحضره وخلع عليه ولقبه ناصر الدولة يومئذ، وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبى الحسن ولقبه سيف الدولة يومئذ، ولما قتل ابن رائق وبلغ خبر مقتله إلى صاحب مصر الإخشيد محمد بن طغج ركب إلى دمشق فتسلمها من محمد بن يزداد نائب ابن رائق ولم ينتطح فيها عنزان. ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق
أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته، وقبح سريرته قبحه الله، وقصدوا الخليفة وابن حمدان فتقوى بهم، وركب هو والخليفة إلى بغداد، فلما اقتربوا منها هرب عنها أبو الحسين أخو البريدي فدخلها المتقى ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، وذلك في شوال منها، ففرح المسلمون فرحا شديدا.
وبعث الخليفة إلى أهله- وقد كان أخرجهم إلى سامرا- فردهم، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعد ما كانوا قد ترحلوا عنها. ورد الخليفة أبا إسحاق الفزاري إلى الوزارة وولى توزون شرطة جانبي بغداد، وبعث ناصر الدولة أخاه سيف الدولة في جيش وراء أبى الحسين أخى البريدي، فلحقه عند المدائن فاقتتلوا قتالا شديدا في أيام نحسات، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه البريدي بواسط، وقد ركب ناصر الدولة بنفسه فنزل المدائن قوة لأخيه. وقد انهزم سيف الدولة مرة من أخى البريدي فرده أخوه وزاده جيشا حتى كسر البريدي، وأسر جماعة من أعيان أصحابه، وقتل منهم خلقا كثيرا. ثم أرسل أخاه سيف الدولة إلى واسط لقتال أبي عبد الله البريدي، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة وتسلم سيف الدولة واسطا، وسيأتي ما كان من خبره في السنة الآتية مع البريدي.
وأما ناصر الدولة فإنه عاد إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر ذي الحجة وبين يديه الأسارى على الجمال، ففرح المسلمون واطمأنوا ونظر في المصالح العامة وأصلح معيار الدينار. وذلك أنه وجده قد غير عما كان عليه، فضرب دنانير سماها الا بريزية، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر درهما، وإنما كان يباع ما قبلها بعشرة. وعزل الخليفة بدرا الخرشني عن الحجابة وولاها سلامة الطولوني، وجعل بدرا على طريق الفرات، فسار إلى الإخشيد فأكرمه واستنابه على دمشق فمات بها. وفيها وصلت الروم إلى قريب حلب فقتلوا خلقا وأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا، ف إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156. وفيها دخل نائب طرسوس إلى بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وأسر من بطارقتهم المشهورين منهم وغيرهم خلقا كثيرا ولله الحمد.
إسحاق بن محمد بن يعقوب النهرجوري
ص 202
أحد مشايخ الصوفية، صحب الجنيد بن محمد وغيره، من أئمة الصوفية، وجاور بمكة حتى مات بها. ومن كلامه الحسن: مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب.
الحسين بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان
ص 202
أبو عبد الله الضبي القاضي المحاملي الفقيه الشافعي المحدث، سمع الكثير وأدرك خلقا من أصحاب ابن عيينة، نحوا من سبعين رجلا. وروى عن جماعة من الأئمة، وعنه الدار قطنى وخلق، وكان يحضر مجلسه نحو من عشرة آلاف. وكان صدوقا دينا فقيها محدثا، ولي قضاء الكوفة ستين سنة،
وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها، ثم استعفى من ذلك كله ولزم منزله، واقتصر على إسماع الحديث وسماعه. توفي في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمس وتسعين سنة. وقد تناظر هو وبعض الشيعة بحضرة بعض الأكابر فجعل الشيعي يذكر مواقف علي يوم بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين وشجاعته. ثم قال للمحاملي: أتعرفها؟ قال: نعم، ولكن أتعرف أنت أين كان الصديق يوم بدر؟
كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش بمنزلة الرئيس الذي يحامى عنه، وعلى رضى الله عنه في المبارزة، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخزل الجيش بسببه. فأفحم الشيعي. وقال المحاملي وقد قدمه الذين رووا لنا الصلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموه عليه حيث لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة وقد كان أبو بكر يمنع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاحف عنه، وإنما قدموه لعلمهم أنه خيرهم. فأفحمه أيضا.
علي بن محمد بن سهل
ص 203
أبو الحسن الصائغ، أحد الزهاد العباد أصحاب الكرامات. روي عن ممشاد الدينوري أنه شاهد أبا الحسن هذا يصلي في الصحراء في شدة الحر ونسر قد نشر عليه جناحه يظله من الحر.
قال ابن الأثير: وفيها توفى أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري المتكلم المشهور، وكان مولده سنة ستين ومائتين، وهو من ولد أبى موسى الأشعري. قلت: الصحيح أن الأشعري توفى سنة أربع وعشرين ومائتين كما تقدم ذكره هناك. قال: وفيها توفي محمد بن يوسف بن النضر الهروي الفقيه الشافعي، وكان مولده سنة تسع وعشرين ومائتين، أخذ عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي.
قلت: وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال. وزكريا بن أحمد البلخي. وعبد الغافر بن سلامة الحافظ، ومحمد بن رائق الأمير ببغداد. وفيها توفى الشيخ:
أبو صالح مفلح الحنبلي
ص 203
واقف مسجد أبي صالح ظاهر باب شرقي من دمشق، وكانت له كرامات وأحوال ومقامات، واسمه مفلح بن عبد الله أبو صالح المتعبد، الذي ينسب إليه المسجد خارج باب شرقى من دمشق، صحب الشيخ أبا بكر بن سعيد حمدونة الدمشقي، وتأدب به، وروى عنه الموحد بن إسحاق بن البري، وأبو الحسن علي بن العجة قيم المسجد، وأبو بكر بن داود الدينوري الدقي. روى الحافظ ابن عساكر من طريق الدقي عن الشيخ أبي صالح. قال: كنت أطوف بجبل لكام أطلب العباد فمررت برجل وهو جالس على صخرة مطرق رأسه فقلت له: ما تصنع هاهنا؟ فقال: أنظر وأرعى. فقلت له: لا أرى بين يديك شيئا تنظر إليه ولا ترعاه إلا هذه العصاة والحجارة. فقال: بل انظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربى، وبالذي أطلعك على إلا صرفت بصرك عنى. فقلت له: نعم ولكن عظني بشيء أنتفع به حتى أمضى عنك. فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الموت أكثر الندم
ومن استغنى بالله أمن العدم، ثم تركني ومضى. وقال أبو صالح: مكثت ستة أيام أو سبعة لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطش عظيم، فجئت إلى النهر الذي وراء المسجد فجلست أنظر إلى الماء، فتذكرت قوله تعالى (وكان عرشه على الماء) 11: 7 فذهب عني العطش، فمكثت تمام العشرة أيام. وقال: مكثت أربعين يوما لم أشرب، ثم شربت، وأخذ رجل فضلتى ثم ذهب إلى امرأته فقال: اشربي فضل رجل قد مكث أربعين يوما لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك أحد إلا الله عز وجل. ومن كلام أبي صالح: الدنيا حرام على القلوب حلال على النفوس، لأن كل شيء يحل لك أن تنظر بعين رأسك إليه يحرم عليك أن تنظر بعين قلبك إليه. وكان يقول: البدن لباس القلب والقلب لباس الفؤاد، والفؤاد لباس الضمير، والضمير لباس السر، والسر لباس المعرفة به. ولأبى صالح مناقب كثيرة رحمه الله. توفي في جمادى الأولى من هذه السنة والله سبحانه أعلم.
نم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة
ص 204
فيها دخل سيف الدولة إلى واسط وقد انهزم عنها البريدي وأخوه أبو الحسين، ثم اختلف الترك على سيف الدولة، فهرب منها قاصدا بغداد، وبلغ أخاه أمير الأمراء خبره فخرج من بغداد إلى الموصل، فنهبت داره. وكانت دولته على بغداد ثلاثة عشر شهرا وخمسة أيام. وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها فنزل بباب حرب، فطلب من الخليفة أن يمده بمال يتقوى به على حرب تورون، فبعث إليه بأربعمائة ألف درهم، ففرقها بأصحابه. وحين سمع بقدوم تورون خرج من بغداد ودخلها تورون في الخامس والعشرين من رمضان، فخلع عليه الخليفة وجعله أمير الأمراء واستقر أمره ببغداد. وعند ذلك رجع البريدي إلى واسط وأخرج من كان بها من أصحاب تورون وكان في أسر تورون غلام سيف الدولة، يقال له ثمال، فأرسله إلى مولاه ليخبره حاله ويرفع أمره عند آل حمدان. وفيها كانت زلزلة عظيمة ببلاد نسا، سقط منها عمارات كثيرة، وهلك بسببها خلق كثير. قال ابن الجوزي: وكان ببغداد في أيلول وتشرين حر شديد يأخذ بالأنفاس. وفي صفر منها ورد الخبر بورود الروم إلى أرزن وميافارقين وأنهم سبوا.
وفي ربيع الآخر منها عقد أبو منصور إسحاق بن الخليفة المتقى عقده على علوية بنت ناصر الدولة بن حمدان، على صداق مائة ألف دينار وألف ألف درهم، وولي العقد على الجارية المذكورة أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي، ولم يحضر ناصر الدولة، وضرب ناصر الدولة سكة ضرب فيها ناصر الدولة عبد آل محمد.
قال ابن الجوزي: وفيها غلت الأسعار حتى أكل الناس الكلاب ووقع البلاء في الناس، ووافى من الجراد شيء كثير جدا، حتى بيع منه كل خمسين رطلا بالدرهم، فارتفق الناس به في
الغلاء. وفيها ورد كتاب ملك الروم إلى الخليفة يطلب فيه منديلا بكنيسة الرها كان المسيح قد مسح بها وجهه فصارت صورة وجهه فيه، وأنه متى وصل هذا المنديل يبعث من الأسارى خلقا كثيرا. فأحضر الخليفة العلماء فاستشارهم في ذلك، فمن قائل نحن أحق بعيسى منهم، وفي بعثه إليهم غضاضة على المسلمين ووهن في الدين. فقال علي بن عيسى الوزير: يا أمير المؤمنين إنقاذ أسارى المسلمين من أيدي الكفار خير وأنفع للناس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة. فأمر الخليفة بإرسال ذلك المنديل إليهم وتخليص أسرى المسلمين من أيديهم. قال الصولي: وفيها وصل الخبر بأن القرمطي ولد له مولود فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا كثيرة، منها مهد من ذهب مرصع بالجوهر، وجلاله منسوج بالذهب محلى باليواقيت، وغير ذلك. وفيها كثر الرفض ببغداد فنودي بها من ذكر أحدا من الصحابة بسوء فقد برئت منه الذمة. وبعث الخليفة إلى عماد الدولة ابن بويه خلعا فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان. وفيها كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وقد مرض قبل موته بالسل سنة وشهرا، واتخذ في داره بيتا سماه بيت العبادة، فكان يلبس ثيابا نظافا ويمشي إليه حافيا ويصلي فيه، ويتضرع ويكثر الصلاة. وكان يجتنب المنكرات والآثام إلى أن مات رحمه الله، فقام بالأمر من بعده ولده نوح بن نصر الساماني، ولقب بالأمير الحميد. وقتل محمد بن أحمد النسفي، وكان قد طعن فيه عنده وصلبه.
ثابت بن سنان بن قرة الصابي
ص 205
أبو سعيد الطبيب، أسلم على يد القاهر بالله ولم يسلم ولده ولا أحد من أهل بيته، وقد كان مقدما في الطب وفي علوم أخر كثيرة. توفى في ذي القعدة منها بعلة الذرب ولم تغن عنه صناعته شيئا، حتى جاءه الموت. وما أحسن ما قال بعض الشعراء في ذلك:
قل للذي صنع الدواء بكفه ... أترد مقدورا [عليك قد] جرى
مات المداوى والمداوي والذي ... صنع الدواء بكفه ومن اشترى
وذكر ابن الجوزي في المنتظم وفاة الأشعري فيها وتكلم فيه وحط عليه كما جرت عادة الحنابلة يتكلمون في الأشعرية قديما وحديثا. وذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، وتوفى في هذه السنة، وأنه صحب الجبائي أربعين سنة ثم رجع عنه، وتوفى ببغداد ودفن بمشرعة السرواني.
محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة
ص 205
ابن الصلت السدوسي مولاهم أبو بكر، سمع جده وعباسا الدوري وغيرهما، وعنه أبو بكر بن مهدي وكان ثقة. روى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالع مولده المنجمون فحسبوا عمره وقالوا:
إنه يعيش كذا وكذا. فأرصد أبوه له جبا فكان يلقى فيه عن كل يوم من عمره الذي أخبروه به
دينارا، فلما امتلأ أرصد له جبا آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فكان يضع فيها في كل يوم ثلاثة دنانير على عدد أيام عمر ولده. ومع هذا ما أفاده ذلك شيئا، بل افتقر هذا الولد حتى صار يستعطي من الناس، وكان يحضر مجلس السماع عليه عباءة بلا إزار، فكان يتصدق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأوده. والسعيد من أسعده الله عز وجل.
محمد بن مخلد بن جعفر
ص 206
أبو عمر الدوري العطار، كان يسكن الدور- وهي محلة بطرف بغداد- سمع الحسن بن عرفة والزبير بن بكار ومسلم بن الحجاج وغيرهم، وعنه الدار قطنى وجماعة، وكان ثقة فهما واسع الرواية مشكور الديانة مشهورا بالعبادة. توفى في جمادى الأولى منها، وقد استكمل سبعا وسبعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوما. المجنون البغدادي روى ابن الجوزي من طريق أبي بكر الشبلي قال:
رأيت مجنونا عند جامع الرصافة وهو عريان وهو يقول: أنا مجنون الله، أنا مجنون الله. فقلت له: مالك ألا تستتر وتدخل الجامع وتصلي؟ فأنشأ يقول:
يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني
إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم مني
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.