الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الحادي عشر / ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
79

ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة

الجزء الحادي عشر 9 عنصر صفحة 190
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ص 190

قال ابن الجوزي في منتظمه: في غرة المحرم منها ظهرت في الجو حمرة شديدة في ناحية الشمال والمغرب، وفيها أعمدة بيض عظيمة كثيرة العدد. وفيها وصل الخبر بأن ركن الدولة أبا على الحسن ابن بويه وصل إلى واسط فركب الخليفة وبجكم إلى حربه فخاف فانصرف راجعا إلى الأهواز ورجعا إلى بغداد. وفيها ملك ركن الدولة بن بويه مدينة أصبهان، أخذها من وشمكير أخي مرداويج، لقلة جيشه في هذا الحين. وفي شعبان منها زادت دجلة زيادة عظيمة وانتشرت في الجانب الغربي، وسقطت دور كثيرة، وانبثق بثق من نواحي الأنبار فغرق قرى كثيرة، وهلك بسببه حيوان وسباع كثيرة في البرية. وفيها تزوج بجكم بسارة بنت عبد الله البريدي. ومحمد بن أحمد بن يعقوب الوزير يومئذ ببغداد، ثم صرف عن الوزارة بسليمان بن الحسن، وضمن البريدي بلاد واسط وأعمالها بستمائة ألف دينار.

وفيها توفى قاضى القضاة أبو الحسن عمر بن محمد بن يوسف، وتولى مكانه ولده أبو نصر يوسف ابن عمر بن محمد بن يوسف وخلع عليه الخليفة الراضي يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها. ولما خرج أبو عبد الله البريدي إلى واسط كتب إلى بجكم يحثه على الخروج إلى الجبل ليفتحها ويساعده هو على أخذ الأهواز من يد عماد الدولة بن بويه، وإنما كان مقصوده أن يبعده عن بغداد ليأخذها

منه. فلما انفصل بجكم بالجنود بلغه ما يريده البريدي من المكيدة به، فرجع سريعا إلى بغداد، وركب في جيش كثيف إليه وأخذ الطرق عليه من كل جانب، لئلا يشعر به إلا وهو عليه. فاتفق أن بجكما كان راكبا في زورق وعنده كاتب له إذ سقطت حمامة في ذنبها كتاب فأخذه بجكم فقرأه فإذا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى أصحاب البريدي يعلمهم بخبر بجكم، فقال له بجكم: ويحك هذا خطك؟

قال: نعم! ولم يقدر أن ينكر، فأمر بقتله فقتل وألقى في دجلة. ولما شعر البريدي بقدوم بجكم هرب إلى البصرة ولم يقم بها أيضا بل هرب منها إلى غيرها. واستولى بجكم على بلاد واسط، وتسلط الديلم على جيشه الذين خلفهم بالجبل ففروا سراعا إلى بغداد. وفيها استولى محمد بن رائق على بلاد الشام فدخل حمص أولا فأخذها، ثم جاء إلى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الإخشيد المعروف ببدر الإخشيد وهو محمد بن طغج، فأخرجه ابن رائق من دمشق قهرا واستولى عليها. ثم ركب ابن رائق في جيش إلى الرملة فأخذها، ثم إلى عريش مصر فأراد دخولها فلقيه محمد بن طغج الإخشيد فاقتتلا هناك فهزمه ابن رائق واشتغل أصحابه بالنهب ونزلوا بخيام المصريين، فكر عليهم المصريون فقتلوهم قتلا عظيما، وهرب ابن رائق في سبعين رجلا من أصحابه، فدخل دمشق في أسوإ حال وشرها، وأرسل له ابن طغج أخاه نصر بن طغج في جيش فاقتتلوا عند اللجون في رابع ذي الحجة، فهزم ابن رائق المصريين وقتل أخو الإخشيد فيمن قتل، فغسله ابن رائق وكفنه وبعث به إلى أخيه بمصر وأرسل معه ولده وكتب إليه يحلف أنه ما أراد قتله، ولقد شق عليه، وهذا ولدي فاقتد منه. فأكرم الإخشيد ولد محمد بن رائق، واصطلحا على أن تكون الرملة وما بعدها إلى ديار مصر للإخشيد، ويحمل إليه الإخشيد في كل سنة مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار، وما بعد الرملة إلى جهة دمشق تكون لابن رائق.

أبو محمد جعفر المرتعش ص 191

أحد مشايخ الصوفية، كذا ذكره الخطيب. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: اسمه عبد الله بن محمد أبو محمد النيسابوري، كان من ذوى الأموال فتخلى منها وصحب الجنيد وأبا حفص وأبا عثمان، وأقام ببغداد حتى صار شيخ الصوفية، فكان يقال عجائب بغداد إشارات الشبلي، ونكت المرتعش، وحكايات جعفر الخواص. سمعت أبا جعفر الصائغ يقول قال المرتعش: من ظن أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه الرضوان فقد جعل لنفسه وفعله خطرا، ومن اعتمد على فضل الله بلغه الله أقصى منازل الرضوان. وقيل للمرتعش: إن فلانا يمشي على الماء. فقال إن مخالفة الهوى أعظم من المشي على الماء، والطيران في الهواء. ولما حضرته الوفاة بمسجد الشونيزية حسبوا ما عليه من الدين فإذا عليه سبعة عشر درهما، فقال: بيعوا خريقاتى هذه واقضوا بها ديني، وأرجو من الله تعالى أن يرزقني

كفنا. وقد سألت الله ثلاثا: أن يميتني فقيرا، وأن يجعل وفاتي في هذا المسجد فإني صحبت فيه أقواما، وأن يجعل عندي من آنس به وأحبه. ثم أغمض عينيه ومات.

أبو سعيد الإصطخري الحسن بن أحمد ص 192

ابن يزيد بن عيسى بن الفضل بن يسار، أبو سعيد الاصطخرى أحد أئمة الشافعية، كان زاهدا ناسكا عابدا، ولي القضاء بقم، ثم حسبة بغداد، فكان يدور بها ويصلي على بغلته، وهو دائر بين الأزقة، وكان متقللا جدا. وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية، وله كتاب القضاء لم يصنف مثله في بابه، توفي وقد قارب التسعين رحمه الله.

علي بن محمد أبو الحسن المزين الصغير ص 192

أحد مشايخ الصوفية، أصله من بغداد، وصحب الجنيد وسهلا التستري، وجاور بمكة حتى توفي في هذه السنة، وكان يحكى عن نفسه قال: وردت بئرا في أرض تبوك فلما دنوت منها زلقت فسقطت في البئر، وليس أحد يراني. فلما كنت في أسفله إذا فيه مصطبة فتعلقت بها وقلت: إن مت لم أفسد على الناس الماء وسكنت نفسي وطابت للموت، فبينا أنا كذلك إذا أفعى قد تدلت علي فلفت علي ذنبها ثم رفعتني حتى أخرجتني إلى وجه الأرض، وانسابت فلم أدر أين ذهبت، ولا من أين جاءت. وفي مشايخ الصوفية آخر يقال له أبو جعفر المزين الكبير، جاور بمكة ومات بها أيضا، وكان من العباد. روى الخطيب عن على بن أبى على إبراهيم بن محمد الطبري عن جعفر الخلدي قال:

ودعت في بعض حجاتي المزين الكبير فقلت له: زودني. فقال لي: إذا فقدت شيئا فقل يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء. قال: وجئت إلى الكتاني فودعته وسألته أن يزودني، فأعطاني خاتما على فصه نقش فقال: إذا اغتممت فانظر إلى فص هذا الخاتم يزول غمك. قال: فكنت لا أدعو بذلك الدعاء إلا استجيب لي، ولا انظر في ذلك الفص إلا زال غمي، فبينا أنا ذات يوم في سمرية إذ هبت ريح شديدة، فأخرجت الخاتم لأنظر إليه فلم أدر كيف ذهب، فجعلت أدعو بذلك الدعاء يومى أجمع أن يجمع على الخاتم، فلما رجعت إلى المنزل فتشت المتاع الذي في المنزل فإذا الخاتم في بعض ثيابي التي كانت بالمنزل.

صاحب كتاب العقد الفريد. أحمد بن عبد ربه ص 192

ابن حبيب بن جرير بن سالم أبو عمر القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي. كان من الفضلاء المكثرين، والعلماء بأخبار الأولين والمتأخرين، وكتابه العقد يدل على فضائل جمة، وعلوم كثيرة مهمة، ويدل كثير من كلامه

على تشيع فيه، وميل إلى الحط على بني أمية. وهذا عجيب منه، لأنه أحد مواليهم وكان الأولى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم. قال ابن خلكان: وله ديوان شعر حسن، ثم أورد منه أشعارا في التغزل في المردان والنسوان أيضا. ولد في رمضان سنة ست وأربعين ومائتين، وتوفي بقرطبة يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة.

عمر بن أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب ص 193

ابن حماد بن زيد بن درهم، أبو الحسين الأزدي الفقيه المالكي القاضي، ناب عن أبيه وعمره عشرون سنة، وكان حافظا للقرآن والحديث والفقه على مذهب مالك، والفرائض. والحساب واللغة والنحو والشعر. وصنف مسندا فرزق قوة الفهم وجودة القريحة، وشرف الأخلاق، وله الشعر الرائق الحسن، وكان مشكور السيرة في القضاء، عدلا ثقة إماما. قال الخطيب: أخبرنا أبو الطيب الطبرسي سمعت المعافى بن زكريا الجريري يقول: كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسين فجئنا يوما ننتظره على العادة فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابي جالس كأن له حاجة، إذ وقع غراب على نخلة في الدار، فصرخ ثم طار. فقال الأعرابي: إن هذا الغراب يخبر إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام. قال فزبرناه فقام وانصرف، ثم خرج الاذن من القاضي أن هلموا، فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما، فقلنا له: ما الخبر، فقال: إني رأيت البارحة في المنام شخصا يقول:

منازل آل حماد بن زيد ... على أهليك والنعم السلام

وقد ضاق لذلك صدري. قال: فدعونا له وانصرفنا. فلما كان اليوم السابع من ذلك اليوم دفن ليوم الخميس لسبع عشرة مضت من شعبان من هذه السنة وله من العمر تسع وثلاثون سنة، وصلى عليه ابنه أبو نصر وولي بعده القضاء. قال الصولي: بلغ القاضي أبو الحسين من العلم مبلغا عظيما مع حداثة سنه، وحين توفى كان الخليفة الراضي يبكى عليه ويحرضنا ويقول: كنت أضيق بالشيء ذرعا فيوسعه علي، ثم يقول: والله لا بقيت بعده. فتوفى الراضي بعده في نصف ربيع الأول من هذه السنة الآتية رحمهما الله. وكان الراضي أيضا حدث السن.

ابن شنبوذ المقري ص 193

محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسن المقري المعروف بابن شنبوذ. روى عن أبي مسلم الكجي، وبشر بن موسى وخلق، واختار حروفا في القراءات أنكرت عليه، وصنف أبو بكر الأنباري كتابا في الرد عليه، وقد ذكرنا فيما تقدم كيف أنه عقد له مجلس في دار الوزير ابن مقلة، وأنه ضرب حتى رجع عن كثير منها، وكانت قراءات شاذة أنكرها عليه قراء أهل عصره. توفى في صفر منها، وقد دعا على الوزير ابن مقلة حين أمر بضربه فلم يفلح ابن مقلة بعدها، بل عوقب بأنواع من العقوبات،

وقطعت يده ولسانه، وحبس حتى مات في هذه السنة التي مات فيها ابن شنبوذ. وهذه ترجمة ابن مقلة الوزير أحد الكتاب المشاهير وهو.

محمد بن علي بن الحسن بن عبد الله ص 194

أبو علي المعروف بابن مقلة الوزير. وقد كان في أول عمره ضعيف الحال، قليل المال، ثم آل به الحال إلى أن ولي الوزارة لثلاثة من الخلفاء: المقتدر، والقاهر، والراضي. وعزل ثلاث مرات، وقطعت يده ولسانه في آخر عمره، وحبس فكان يستقي الماء بيده اليسرى وأسنانه، وكان مع ذلك يكتب بيده اليمنى مع قطعها، كما كان يكتب بها وهي صحيحة. وقد كان خطه من أقوى الخطوط، كما هو مشهور عنه. وقد بنى له دارا في زمان وزارته وجمع عند بنيانها خلقا من المنجمين، فاتفقوا على وضع أساسها في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشاءين كما أشار به المنجمون. فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرا حتى خربت وصارت كوما، كما ذكرنا ذلك، وذكرنا ما كتبوا على جدرانها.

وقد كان له بستان كبير جدا، عدة اجربة- أي فدادين- وكان على جميعه شبكة من إبريسم، وفيه أنواع الطيور من القماري والهزار والببغ والبلابل والطواويس وغير ذلك شيء كثير، وفي أرضه من الغزلان وبقر الوحش والنعام وغير ذلك شيء كثير أيضا. ثم صار هذا كله عما قريب بعد النضرة والبهجة والبهاء إلى الهلاك والبوار والفناء والزوال. وهذه سنة الله في المغترين الجاهلين الراكنين إلى دار الفناء والغرور. وقد أنشد فيه بعض الشعراء حين بنى داره وبستانه وما اتسع فيه من متاع الدنيا:

قل لابن مقلة: لا تكن عجلا ... واصبر، فإنك في أضغاث أحلام

تبنى بأحجر دور الناس مجتهدا ... دارا ستهدم قنصا بعد أيام

ما زلت تختار سعد المشتري لها ... فكم نحوس به من نحس بهرام

إن القران وبطليموس ما اجتمعا ... في حال نقض ولا في حال إبرام

فعزل ابن مقلة عن وزارة بغداد وخربت داره وانقلعت أشجاره وقطعت يده، ثم قطع لسانه وصودر بألف ألف دينار، ثم سجن وحده ليس معه من يخدمه مع الكبر والضعف والضرورة وانعدام بعض أعضائه، حتى كان يستقى الماء بنفسه من بئر عميق، فكان يدلى الحبل بيده اليسرى ويمسكه بفيه. وقاسى جهدا جهيدا بعد ما ذاق عيشا رغيدا. ومن شعره في يده:

ما سئمت الحياة، لكن توثقت للحياة ... بأيمانهم، فبانت يميني

بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني

ولقد حفظت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم، فما حفظوني

ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني

وكان يبكي على يده كثيرا ويقول: كتبت بها القرآن مرتين، وخدمت بها ثلاثة من الخلفاء تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ثم ينشد:

إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب

وقد مات عفا الله عنه في محبسه هذا ودفن في دار السلطان، ثم سأل ولده أبو الحسين أن يحول إلى عنده فأجيب فنبشوه ودفنه ولده عنده في داره. ثم سألت زوجته المعروفة بالدينارية أن يدفن في دارها فأجيبت إلى ذلك فنبش ودفن عندها. فهذه ثلاث مرات. توفى وله من العمر ست وخمسون سنة.

أبو بكر ابن الأنباري ص 195

محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة أبو بكر الأنباري، صاحب كتاب الوقف والابتداء، وغيره من الكتب النافعة، والمصنفات الكثيرة. كان من بحور العلم في اللغة والعربية والتفسير والحديث، وغير ذلك. سمع الكديمي وإسماعيل القاضي وثعلبا وغيرهم، وكان ثقة صدوقا أديبا، دينا فاضلا من أهل السنة. كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا له، وكان له من المحافيظ مجلدات كثيرة، أحمال جمال وكان لا يأكل إلا النقالى ولا يشرب ماء إلا قريب العصر، مراعاة لذهنه وحفظه، ويقال: إنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا، وحفظ تعبير الرؤيا في ليلة، وكان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة، وكانت وفاته ليلة عيد النحر من هذه السنة.

أم عيسى بنت إبراهيم الحربي، كانت عالمة فاضلة، تفتي في الفقه. توفيت في رجب ودفنت إلى جانب أبيها رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.