الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
61

ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة

الجزء الحادي عشر 3 عنصر صفحة 143
ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة ص 143

فيها أطلق يوسف بن أبي الساج من الضيق، وكان معتقلا، وردت إليه أمواله وأعيد إلى عمله وأضيف إليه بلدان أخرى، ووظف عليه في كل سنة خمسمائة ألف دينار يحملها إلى الحضرة فبعث حينئذ إلى مؤنس الخادم يطلب منه أبا بكر بن الأدمي القارئ، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتقل في سنة إحدى وستين ومائتين (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة) 11: 102 فخاف القارئ من سطوته واستعفى من مؤنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكك في الجائزة. فلما دخل عليه قرأ بين يديه (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي) 12: 54 فقال: بل أحب أن تقرأ ذلك العشر الذي قرأته عند سجني وإشهاري (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة) 11: 102 فان ذلك كان سبب توبتي ورجوعي إلى الله عز وجل، وكان ذلك على يديك. ثم أمر له بمال جزيل وأحسن إليه. وفيها مرض علي بن عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعوده ويبلغه سلام أبيه عليه، فبسط له الطريق، فلما اقترب من داره تحامل وخرج إليه فبلغه سلام الخليفة، وجاء مؤنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عزم على عيادته فاستعفى من مؤنس الخادم، ثم ركب على جهد عظيم حتى سلم على الخليفة

لئلا يكلفه الركوب إليه. وفيها قبض على القهرمانة أم موسى ومن ينسب إليها، وكان حاصل ما حمل إلى بيت المال من جهتها ألف ألف دينار. وفي يوم الخميس منها لعشر بقين من ربيع الآخر ولى المقتدر منصب القضاء أبا الحسين عمر بن الحسين بن علي الشيباني المعروف بابن الأشناني- وكان من حفاظ الحديث وفقهاء الناس- ولكنه عزل بعد ثلاثة أيام، وكان قبل ذلك محتسبا ببغداد.

وفيها عزل محمد بن عبد الصمد عن شرطة بغداد ووليها نازوك وخلع عليه. وفيها في جمادى الآخرة منها ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان في برج السنبلة. وفي شعبان منها وصلت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن المارداني، وفي جملتها بغلة معها فلوها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه. وفيها قرئت الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الروم. وفيها ورد الخبر بأنه انشق بأرض واسط فلوع في الأرض في سبعة عشر موضعا أكبرها طوله ألف ذراع، وأقلها مائتا ذراع، وأنه غرق من أمهات القرى ألف وثلاثمائة قرية. وحج بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي.

أبو بشر الدولابي ص 144

محمد بن أحمد بن حماد أبو سعيد أبو بشر الدولابي، مولى الأنصار، ويعرف بالوراق، أحد الأئمة من حفاظ الحديث، وله تصانيف حسنة في التاريخ وغير ذلك، وروى عن جماعة كثيرة.

قال ابن يونس: كان يصعق، توفى وهو قاصد الحج بين مكة والمدينة بالعرج في ذي القعدة. وفيها توفى

أبو جعفر بن جرير الطبري ص 144

محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الامام أبو جعفر الطبري، كان مولده في سنة أربع وعشرين ومائتين، وكان أسمر أعين مليح الوجه مديد القامة فصيح اللسان، روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة في الأصول والفروع. ومن أحسن ذلك تهذيب الآثار ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء، ولكان فيه الكفاية لكنه لم يتمه. وقد روي عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة. قال الخطيب البغدادي: استوطن ابن جرير بغداد وأقام بها إلى حين وفاته، وكان من أكابر أئمة العلماء، ويحكم بقوله ويرجع إلى معرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات كلها، بصيرا بالمعاني، فقيها في الأحكام، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، عارفا بأيام الناس وأخبارهم. وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله. وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه. وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة واختيارات،

وتفرد بمسائل حفظت عنه. قال الخطيب: وبلغني عن الشيخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسفراييني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير الطبري لم يكن ذلك كثيرا، أو كما قال. وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة أنه طالع تفسير محمد بن جرير في سنين من أوله إلى آخره، ثم قال: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة. وقال محمد لرجل رحل إلى بغداد يكتب الحديث عن المشايخ- ولم يتفق له سماع من ابن جرير لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد- فقال ابن خزيمة: لو كتبت عنه لكان خيرا لك من كل من كتبت عنه. قلت: وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن الصفات، وكان من كبار الصالحين، وهو أحد المحدثين الذي اجتمعوا في مصر في أيام ابن طولون، وهم محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن جرير الطبري هذا. وقد ذكرناهم في ترجمة محمد بن نصر المروزي، وكان الذي قام فصلى هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقيل محمد بن نصر، فرزقهم الله. وقد أراد الخليفة المقتدر في بعض الأيام أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقا عليها بين العلماء، فقيل له: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري، فطلب منه ذلك فكتب له، فاستدعاه الخليفة إليه وقرب منزلته عنده. وقال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي. فقال لا بد أن تسألنى حاجة أو شيئا. فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا السؤال يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع. فأمر الخليفة بذلك. وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركها له أبوه بطبرستان. ومن شعره:

إذا أعسرت لم يعلم رفيقي ... وأستغني فيستغني صديقي

حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتى رفيقي

ولو أتى سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطريق

ومن شعره أيضا

خلقان لا أرى طريقهما ... بطر الغنى ومذلة الفقر

فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدهر

وقد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمائة.

وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين، وفي شعر رأسه ولحيته سواد كثير، ودفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا من دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من ذلك كله. بل كان أحد أئمة الإسلام علما وعملا بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما تقلدوا ذلك عن أبى بكر محمد بن داود الفقيه الظاهري، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم

وبالرفض. ولما توفى اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد وصلوا عليه بداره ودفن بها، ومكث الناس يترددون إلى قبره شهورا يصلون عليه، وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، وكتابا جمع فيه طريق حديث الطير. ونسب إليه أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء وأنه لا يوجب غسلهما، وقد اشتهر عنه هذا. فمن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، وينزهون أبا جعفر هذا عن هذه الصفات. والذي عول عليه كلامه في التفسير أنه يوجب غسل القدمين ويوجب مع الغسل دلكهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس مراده، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح وهو الدلك والله أعلم. وقد رثاه جماعة من أهل العلم منهم ابن الأعرابي حيث يقول:

حدث مفظع وخطب جليل ... دق عن مثله اصطبار الصبور

قام ناعي العلوم أجمع لما ... قام ناعي محمد بن جرير

فهوت أنجم لها زاهرات ... مؤذنات رسومها بالدثور

وتغشى ضياها النير الإشراق ... ثوب الدجنة الديجور

وغدا روضها الأنيق هشيما ... ثم عادت سهولها كالوعور

يا أبا جعفر مضيت حميدا ... غير وان في الجد والتشمير

بين أجر على اجتهادك موفور ... وسعي إلى التقى مشكور

مستحقا به الخلود لدى جنة ... عدن في غبطة وسرور

ولأبي بكر بن دريد رحمه الله فيه مرثاة طويلة، وقد أوردها الخطيب البغدادي بتمامها والله سبحانه أعلم

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.