الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
46

ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين

الجزء الحادي عشر 7 عنصر صفحة 102
ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين ص 102

فيها كانت المفاداة بين المسلمين والروم، وكان من جملة من استنقذ من أيدي الروم من نساء ورجال نحوا من ثلاثة آلاف نسمة، وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد

الساماني أمير خراسان وما وراء النهر، وقد كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما كريما، وهو الذي كان يحسن إلى محمد بن نصر المروزي ويعظمه ويكرمه ويحترمه ويقوم له في مجلس ملكه، فلما مات تولى بعده ولده أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني وبعث إليه الخليفة تشريفة. وقد ذكر الناس يوما عند إسماعيل بن أحمد هذا الفخر بالأنساب فقال: إنما الفخر بالأعمال وينبغي أن يكون الإنسان عصاميا لا عظاميا- أي ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه وبلده وجده- كما قال بعضهم: ويجدي سموت لا يجدوى وقال آخر:

حسبي فخارا وشيمتي أدبي ... ولست من هاشم ولا العرب

إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... وليس الفتى من يقول كان أبي

وفي ذي القعدة منها كانت.

وفاة الخليفة المكتفي بالله ص 103

(أبو محمد بن المعتضد وهذه ترجمته وذكر وفاته) وهو أمير المؤمنين المكتفي بالله بن المعتضد بن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وقد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء من اسمه علي سواه بعد علي بن أبى طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن على بن أبى طالب وهو، وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أبيه وفي حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره نحوا من خمس وعشرين سنة، وكان ربعة من الرجال جميلا رقيق الوجه حسن الشعر، وافر اللحية عريضها. ولما مات أبوه المعتضد وولى هو الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده:

أجل الرزايا أن يموت إمام ... وأسنى العطايا أن يقوم إمام

فأسقى الذي مات الغمام وجوده ... ودامت تحيات له وسلام

وأبقى الذي قام الإله وزاده ... مواهب لا يفنى لهن دوام

وتمت له الآمال واتصلت بها ... فوائد موصول بهن تمام

هو المكتفي بالله يكفيه كلما ... عناه بركن منه ليس يرام

فأمر له بجائزة سنية [وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله:

من لي بأن أعلم ما ألقى ... فتعرف منى الصبابة والعشقا

ما زال لي عبدا وحبي له ... صيرني عبدا له رقا

العتق من شأني ولكنني ... من حبه لا أملك العتقا

] [1]

وكان نقش خاتمه: على المتوكل على ربه. وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك. وفي أيامه فتحت انطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد وقد صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله. وتوفى بعد ثلاثة أيام وقيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما. وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير رحمه الله.

خلافة المقتدر بالله أمير المؤمنين أبي الفضل جعفر بن المعتضد ص 104

جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة- أعني سنة خمس وتسعين ومائتين- وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، ولما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله، وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكانت الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بنى أمية وأيام بني العباس، قد تناهى جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفدها، وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، وقد استقصى ذكرهم ابن الجوزي. وكان له من الخدم والحشمة التامة والحجاب شيء كثير جدا، وكان كريما وفيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، وفي يوم عرفة في أول ولايته فرق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفي بعير، ورد الرسوم والأرزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بنى العباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، وسيأتي ذكر شيء من أيامه في ترجمته.

أبو إسحاق المزكي ص 104

إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكي الحافظ الزاهد، إمام أهل

عصره بنيسابور، في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار ودخل على الإمام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبا، ويقال إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إلا داره التي يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيأتدم به طول الشتاء، وقد قال أبو على الحسين بن على الحافظ: لم تر عيناي مثله.

أبو الحسين النوري أحد أئمة الصوفية ص 105

اسمه أحمد بن محمد، ويقال محمد بن محمد والأول أصح ويعرف بابن البغوي، أصله من خراسان وحدث عن سري السقطي ثم صار هو من أكابر أئمة القوم، قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبي الحسين النوري، قيل له: ولا الجنيد؟ قال: ولا الجنيد ولا غيره. وقال غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيره. وتوفي في مسجد وهو مقنع فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام.

إسماعيل بن أحمد بن سامان ص 105

أحد ملوك خراسان وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي، وكتب بذلك إلى المعتضد فولاه خراسان ثم ولاه المكتفي الرى وما وراء النهر وبلاد الترك، وقد غزا بلادهم وأوقع بهم بأسا شديدا، وبنى الربط في الطرقات يسع الرباط منها ألف فارس، وأوقف عليهم أوقافا جزيلة، وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا جزيلة منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبع مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه. ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثل بقول أبي نواس:

لن يخلف الدهر مثلهم أبدا ... هيهات هيهات شأنه عجب

المعمري الحافظ ص 105

صاحب عمل اليوم والليلة وهو الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري الحافظ، رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا منهم علي بن المديني ويحيى بن معين، وعنه ابن صاعد والنجاد والجلدى، وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، وصدوقا ثبتا، وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر، لأنه جاوز [الثمانين، وكان يكنى أولا بأبي القاسم، ثم بأبي علي، وقد ولي القضاء للبرتي على القصر وأعمالها] [1] وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبي سفيان صاحب معمر بن راشد. وقد صنف المعمري كتابا جيدا في عمل يوم وليلة، واسمه الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري، توفى ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم.

عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب واسم أبي شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الأموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث. ولد سنة ست وثمانين ومائتين، سمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا. توفي في ذي الحجة منها على بن أحمد المكتفي بالله تقدم ذكره. أبو جعفر الترمذي محمد بن محمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعي، كان من أهل العلم والزهد، ووثقه الدار قطنى، كان مأمونا ناسكا، وقال القاضي أحمد ابن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعي بالعراق أرأس منه، ولا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا، وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان قد اختلط في آخر عمره. توفى المحرم منها.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.