الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
31

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين

الجزء الحادي عشر 5 عنصر صفحة 63
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائتين ص 63

في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوض من المعهد واستقل بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس المعتضد بن الموفق، وخطب له بذلك على رءوس الأشهاد، وفي ذلك يقول يحيى بن على يهنى المعتضد.

ليهنيك عقد أنت فيه المقدم ... حباك به رب بفضلك أعلم

فإن كنت قد أصبحت والي عهدنا ... فأنت غدا فينا الإمام المعظم

ولا زال من والاك فيه مبلغا ... مناه ومن عاداك يخزي ويندم

وكان عمود الدين فيه تعوج ... فعاد بهذا العهد وهو مقوم

وأصبح وجه الملك جذلان ضاحكا ... يضيء لنا منه الذي كان مظلم

فدونك شدد عقد ما قد حويته ... فإنك دون الناس فيه المحكم

وفيها نودي ببغداد أن لا يمكن أحد من القصاص والطرقية والمنجمين ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات، وأن لا تباع كتب الكلام والفلسفة والجدل بين الناس، وذلك بهمة

أبى العباس المعتضد سلطان الإسلام. وفيها وقعت حروب بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل وقد بسط ذلك ابن الأثير في كامله وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الإثنين لتسع عشرة ليلة خلت منه.

وهذه ترجمته ص 64

هو أمير المؤمنين المعتمد بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد واسمه أحمد بن جعفر بن محمد بن هارون الرشيد مكث في الخلافة ثلاثا وعشرين سنة وستة أيام، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وأشهرا، وكان أسن من أخيه الموفق بستة أشهر، وتأخر بعده أقل من سنة، ولم يكن إليه مع أخيه شيء من الأمر حتى أن المعتمد طلب في بعض الأيام ثلاثمائة دينار فلم يصل إليها فقال الشاعر في ذلك:

ومن العجائب في الخلافة أن ... ترى ما قل ممتنعا عليه

وتؤخذ الدنيا باسمه جميعا ... وما ذاك شيء في يديه

إليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه

كان المعتمد أول خليفة انتقل من سامرا إلى بغداد ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء، بل جعلوا إقامتهم ببغداد، وكان سبب هلاكه في ما ذكره ابن الأثير أنه شرب في تلك الليلة شرابا كثيرا وتعشى عشاء كثيرا، وكان وقت وفاته في القصر الحسيني من بغداد، وحين مات أحضر المعتضد القضاة والأعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه، ثم غسل وكفن وصلي عليه ثم حمل فدفن بسامراء. وفي صبيحة العزاء بويع للمعتضد

وفيها توفى. البلاذري المؤرخ أحد المشاهير ص 64

واسمه أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن ويقال أبو جعفر ويقال أبو بكر البغدادي البلاذري صاحب التاريخ المنسوب إليه، سمع هشام بن عمار وأبا عبيد القاسم بن سلام، وأبا الربيع الزهراني وجماعة، وعنه يحيى بن النديم وأحمد بن عمار وأبو يوسف يعقوب بن نعيم بن قرقارة الأزدي. قال ابن عساكر: كان أديبا ظهرت له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، وتوفى أيام المعتمد، وحصل له هوس ووسواس في آخر عمره، وروى عنه ابن عساكر قال قال لي محمود الوراق: قل من الشعر ما يبقى لك ذكره، ويزول عنك إثمه فقلت عند ذلك:

استعدي يا نفس للموت واسعي ... لنجاة فالحازم المستعد

إنما أنت مستعيرة وسوف ... تردين والعواري ترد

أنت تسهين والحوادث لا ... تسهو وتلهين والمنايا تعد

أي ملك في الأرض وأي حظ ... لامرئ حظه من الأرض لحد

لا ترجى البقاء في معدن الموت ... ودار حتوفها لك ورد

كيف يهوى امرؤ لذاذة أيام ... أنفاسها عليه فيها تعد

خلافة المعتضد ص 65

أمير المؤمنين أبى العباس أحمد بن أحمد الموفق بن جعفر المتوكل، كان من خيار خلفاء بنى العباس ورجالهم. بويع له بالخلافة صبيحة موت المعتمد لعشر بقين من رجب منها وقد كان أمر الخلافة دائرا فأحياه الله على يديه بعد له وشهامته وجرأته، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب وولى مولاه بدرا الشرطة في بغداد، وجاءته هدايا عمر وبن الليث وسأل منه أن يوليه إمرة خراسان فأجابه إلى ذلك، وبعث إليه بالخلع واللواء فنصبه عمرو في داره ثلاثة أيام فرحا وسرورا بذلك، وعزل رافع بن هرثمة عن إمرة خراسان ودخلها عمرو بن الليث فلم يزل يتبع رافعا من بلد إلى بلد حتى قتله في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي، وبعث برأسه إلى المعتضد وصفت إمرة خراسان لعمرو. وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بالجصاص من الديار المصرية بهدايا عظيمة من خمارويه إلى المعتضد فتزوج المعتضد بابنة خمارويه فجهزها أبوها بجهاز لم يسمع بمثله، حتى قيل إنه كان في جهازها مائة هاون من ذهب، فحمل ذلك كله من الديار المصرية إلى دار الخلافة ببغداد صحبة العروس، وكان وقتا مشهودا. وفيها تملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين وكانت قبل ذلك لإسحاق بن كنداج. وفيها حج بالناس هارون بن محمد العباسي وهي آخر حجة حجها بالناس، وقد كان يحج بالناس من سنة أربع وستين ومائتين إلى هذه السنة.

وفيها توفى من الأعيان أحمد أمير المؤمنين المعتمد. وأبو بكر بن أبي خيثمة. وأحمد بن زهير بن خيثمة صاحب التاريخ وغيره. سمع أبا نعيم. وعفان وأخذ علم الحديث عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعلم النسب عن مصعب الزبيري، وأيام الناس عن أبى الحسن على بن محمد المدائني. وعلم الأدب عن محمد بن سلام الجمحي. وكان ثقة حافظا ضابطا مشهورا، وفي تاريخه فوائد كثيرة وفرائد غزيرة. روى عنه البغوي وابن صاعد وابن أبى داود بن المنادي. توفى في جمادى الأولى منها عن أربع وتسعين سنة. وخاقان أبو عبد الله الصوفي، كانت له أحوال وكرامات.

الترمذي

واسمه محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، وقيل محمد بن عيسى بن يزيد بن سورة بن السكن، ويقال محمد بن عيسى بن سورة بن شداد بن عيسى السلمي

الترمذي ص 65

الضرير، يقال إنه ولد أكمه، وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة، منها الجامع، والشمائل، وأسماء الصحابة وغير ذلك. وكتاب الجامع أحد الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في

سائر الآفاق، وجهالة ابن حزم لأبي عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في محلاه: ومن محمد بن عيسى ابن سورة؟ فان جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت منزلة ابن حزم عند الحفاظ:

وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل

وقد ذكرنا مشايخ الترمذي في التكميل. وروى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح، والهيثم بن كليب الشاشي صاحب المسند، ومحمد بن محبوب المحبوبي، راوي الجامع عنه. ومحمد بن المنذر بن شكر. قال أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في كتابه علوم الحديث: محمد بن عيسى بن سورة بن شداد الحافظ متفق عليه، له كتاب في السنن وكتاب في الجرح والتعديل، روى عنه أبو محبوب والأجلاء، وهو مشهور بالأمانة والإمامة والعلم. مات بعد الثمانين ومائتين. كذا قال في تاريخ وفاته. وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغنجار في تاريخ بخارى: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الترمذي الحافظ، دخل بخارى وحدث بها، وهو صاحب الجامع والتاريخ، توفي بالترمذ ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. ذكره الحافظ أبو حاتم بن حيان في الثقات، فقال: كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر. قال الترمذي: كتب عني البخاري حديث عطية عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» . وروى ابن يقظة في تقييده عن الترمذي أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح وعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي ينطق. وفي رواية يتكلم. قالوا وجملة الجامع مائة وإحدى وخمسون كتابا، وكتاب العلل صنفه بسمرقند، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومائتين. قال ابن عطية: سمعت محمد بن طاهر المقدسي سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول: كتاب الترمذي عندي أنور من كتاب البخاري ومسلم. قلت: ولم؟ قال لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من هو من أهل المعرفة التامة بهذا الفن، وكتاب الترمذي قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إليها كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. قلت: والذي يظهر من حال الترمذي أنه إنما طرأ عليه العمى بعد أن رحل وسمع وكتب وذاكر وناظر وصنف، ثم اتفق موته في بلده في رجب منها على الصحيح المشهور والله أعلم.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.