الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
27

ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين

الجزء الحادي عشر 4 عنصر صفحة 52
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائتين ص 52

في المحرم منها وقع الخلاف بين أبي الساج وبين خمارويه فاقتتلا عند ثنية العقاب شرقى دمشق فقهر خمارويه لابن أبى الساج وانهزم، وكانت له حواصل بحمص فبعث خمارويه من سبقه إليها فأخذها ومنع منه حمص فذهب إلى حلب فمنعه خمارويه فسار إلى الرقة فاتبعه، فذهب إلى الموصل ثم انهزم منها خوفا من خمارويه ووصل خمارويه إليها واتخذ بها سريرا طويل القوائم، فكان يجلس عليه في الفرات، فعند ذلك طمع فيه ابن كنداج فسار وراءه ليظفر بشيء فلم يقدر، وقد التقيا في بعض الأيام فصبر له ابن أبي الساج صبرا عظيما، فسلم وانصرف إلى الموفق ببغداد فأكرمه وخلع عليه واستصحبه معه إلى الجبل، ورجع إسحاق بن كنداج إلى ديار بكر من الجزيرة.

وفيها في شوال منها سجن أبو أحمد الموفق ولده أبا العباس المعتضد في دار الإمارة، وكان سبب ذلك أنه أمره بالمسير إلى بعض الوجوه فامتنع أن يسير إلا إلى الشام التي ولاه إياها عمه المعتضد،

وأمر بسجنه فثارت الأمراء واختبطت بغداد فركب الموفق إلى بغداد وقال للناس: أتظنون أنكم على ولدى أشفق منى؟ فسكن الناس عند ذلك ثم أفرج عنه. وفيها سار رافع إلى محمد بن زيد العلوي فأخذ منه مدينة جرجان فهرب إلى أستراباذ فحضره بها سنين فغلا بها السعر حتى بيع الملح بها وزن درهم بدرهمين، فهرب منها ليلا إلى سارية فأخذ منه رافع بلادا كثيرة بعد ذلك في مدة متطاولة.

وفي المحرم منها أو في صفر كانت وفاة المنذر بن محمد بن عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس عن ست وأربعين سنة، وكانت ولايته سنة وأحد عشر يوما، وكان أسمر طويلا بوجهه أثر جدري، جوادا ممدحا يحب الشعراء ويصلهم بمال كثير، ثم قام بالأمر من بعده أخوه محمد فامتلأت بلاد الأندلس في أيامه فتنا وشرا حتى هلك كما سيأتي.

أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج ص 53

المروزي صاحب الامام أحمد، كان من الأذكياء، كان أحمد يقدمه على جميع أصحابه ويأنس به ويبعثه في الحاجة ويقول له: قل ما شئت.

وهو الذي أغمض الإمام أحمد وكان فيمن غسله، وقد نقل عن أحمد مسائل كثيرة وحصلت له رفعة عظيمة مع أحمد حين طلب إلى سامرا ووصل بخمسين ألفا فلم يقبلها. أحمد بن محمد بن غالب بن خالد بن مرداس أبو عبد الله الباهلي البصري المعروف بغلام خليل، سكن بغداد، روى عن سليمان ابن داود الشاذكوني وشيبان بن فروخ وقرة بن حبيب وغيرهم، وعنه ابن السماك وابن مخلد وغيرهما، وقد أنكر عليه أبو حاتم وغيره أحاديث رواها منكرة عن شيوخ مجهولين. قال أبو حاتم: ولم يكن ممن يفتعل الحديث، كان رجلا صالحا. وكذبه أبو داود وغير واحد. وروى ابن عدي عنه أنه اعترف بوضع الحديث ليرفق به قلوب الناس، وكان عابدا زاهدا يقتات الباقلاء الصرف، وحين مات أغلقت أسواق بغداد وحضر الناس جنازته والصلاة عليه ثم جعل في زورق وشيع إلى البصرة فدفن بها في رجب من هذه السنة. وأحمد بن ملاعب، روى عن يحيى بن معين وغيره، وكان ثقة دينا عالما فاضلا، انتشر به كثير من الحديث.

وأبو سعيد الحسن بن الحسين بن عبد الله بن السكري النحوي اللغوي، صاحب التصانيف.

وإسحاق بن إبراهيم بن هانئ أبو يعقوب النيسابوري، كان من أخصاء أصحاب الإمام أحمد، وعنده اختفى أحمد في زمن المحنة. وعبد الله بن يعقوب بن إسحاق التميمي العطار الموصلي. قال ابن الأثير:

كان كثير الحديث معدلا عند الحكام. ويحيى بن أبي طالب.

وأبو داود السجستاني ص 53

صاحب السنن، اسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن يحيى بن عمران أبو داود السجستاني أحد أئمة الحديث الرحالين إلى الآفاق في طلبه، جمع وصنف وخرج وألف

وسمع الكثير عن مشايخ البلدان في الشام ومصر والجزيرة والعراق وخراسان وغير ذلك، وله السنن المشهورة المتداولة بين العلماء، التي قال فيها أبو حامد الغزالي: يكفي المجتهد معرفتها من الأحاديث النبوية. حدث عنه جماعة منهم ابنه أبو بكر عبد الله وأبو عبد الرحمن النسائي وأحمد بن سليمان النجار، وهو آخر من روى عنه في الدنيا. سكن أبو داود البصرة وقدم بغداد غير مرة وحدث بكتاب السنن بها، ويقال إنه صنفه بها وعرضه على الإمام أحمد فاستجاده واستحسنه وقال الخطيب:

حدثني أبو بكر محمد بن على ابن إبراهيم القاري الدينوري من لفظه، قال سمعت أبا الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن القرصي قال سمعت أبا بكر بن داسه يقول سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، قوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات» . الثاني قوله «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . الثالث قوله «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه» الرابع قوله:

«الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات» . وحدثت عن عبد العزيز بن جعفر الحنبلي أن أبا بكر الخلال قال: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الإمام المقدم في زمانه رجل لم يسبقه إلى معرفة تخريج العلوم وبصره بمواضعها أحد من أهل زمانه، رجل ورع مقدم قد سمع منه أحمد بن حنبل حديثا واحدا كان أبو داود يذكره، وكان أبو بكر الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة يرفعان من قدره ويذكر انه بما لا يذكران أحدا في زمانه بمثله.

قلت: الحديث الذي كتبه عنه وسمعه منه الامام أحمد بن حنبل هو ما رواه أبو داود من حديث حماد بن سلمة عن أبي معشر الدارمي عن أبيه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن العتيرة فحسنها» . وقال إبراهيم الحربي وغيره: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد. وقال غيره: كان أحد حفاظ الإسلام للحديث وعلله وسنده. وكان في أعلا درجة النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث. وقال غيره: كان ابن مسعود يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته، وكان علقمة يشبهه، وكان إبراهيم يشبه علقمة، وكان منصور يشبه إبراهيم، وكان سفيان يشبه منصور، وكان وكيع يشبه سفيان، وكان أحمد يشبه وكيعا، وكان أبو داود يشبه أحمد بن حنبل. وقال محمد ابن بكر بن عبد الرزاق: كان لأبي داود كم واسع وكم ضيق فقيل له: ما هذا يرحمك الله؟ فقال:

هذا الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه.

وقد كان مولد أبي داود في سنة ثنتين ومائتين، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، ودفن إلى جانب قبر سفيان الثوري.

وقد ذكرنا ترجمته في التكميل وذكرنا ثناء الأئمة عليه.

وفيها توفى

محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن العنبس الضميري الشاعر، ص 55

كان دينا كثير الملح، وكان هجاء، ومن جيد شعره قوله:

كم عليل عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعواد

قد تصاد القطا فتنجو سريعا ... ويحل البلاء بالصياد

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.