في عاشر المحرم من هذه السنة أمر معز الدولة بن بويه قبحه الله أن تغلق الأسواق وأن يلبس النساء المسوح من الشعر وأن يخرجن في الأسواق حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن يلطمن وجوههن ينحن على الحسين بن علي بن أبى طالب، ولم يمكن أهل السنة منع ذلك لكثرة الشيعة وظهورهم، وكون السلطان معهم. وفي عشر ذي الحجة منها أمر معز الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الدبادب والبوقات، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء وعند الشرط، فرحا بعيد الغدير- غدير خم- فكان وقتا عجيبا مشهودا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة. وفيها أغارت الروم على الرها، فقتلوا وأسروا ورجعوا موقرين، ثم ثارت الروم بملكهم فقتلوه وولوا غيره، ومات الدمستق أيضا ملك الأرمن واسمه النقفور، وهو الذي أخذ حلب وعمل فيها ما عمل، وولوا غيره.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة
الذي توفى في سنة ثنتين- وقيل خمس وقيل ست- وخمسين وثلاثمائة لا رحمه الله.
كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبا، وأشدهم كفرا، وأقواهم بأسا، وأحدهم شوكة، وأكثرهم قتلا وقتالا للمسلمين في زمانه، استحوذ في أيامه لعنه الله على كثير من السواحل، وأكثرها انتزعها من أيدي المسلمين قسرا، واستمرت في يده قهرا، وأضيفت إلى مملكة الروم قدرا. وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان، وظهور البدع الشنيعة فيهم وكثرة العصيان من الخاص والعام منهم، وفشو البدع فيهم، وكثرة الرفض والتشيع منهم، وقهر أهل السنة بينهم، فلهذا أديل عليهم أعداء الإسلام، فانتزعوا ما بأيديهم من البلاد مع الخوف الشديد ونكد العيش والفرار من بلاد إلى بلاد، فلا يبيتون ليلة إلا في خوف من قوارع الأعداء وطوارق الشرور المترادفة، فالله المستعان. وقد ورد حلب في مائتي ألف مقاتل بغتة في سنة إحدى وخمسين، وجال فيها جولة. ففر من بين يديه صاحبها سيف الدولة ففتحها اللعين عنوة، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله، وخرب دار سيف الدولة التي كانت ظاهر حلب، وأخذ أموالها وحواصلها وعددها وبدد شملها، وفرق عددها، واستفحل أمر الملعون بها ف إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156. وبالغ في الاجتهاد في قتال الإسلام وأهله، وجد في التشمير فالحكم لله العلي الكبير. وقد كان لعنه الله لا يدخل في بلد إلا قتل
المقاتلة وبقية الرجال، وسبى النساء والأطفال، وجعل جامعها اصطبلا لخيوله، وكسر منبرها، واستنكث مئذنتها بخيله ورجله وطبوله. ولم يزل ذلك من دأبه وديدنه حتى سلط الله عليه زوجته فقتلته بجواريها في وسط مسكنه. وأرواح الله منه الإسلام وأهله، وأزاح عنهم قيام ذلك الغمام ومزق شمله، فلله النعمة والإفضال، وله الحمد على كل حال. واتفق في سنة وفاته موت صاحب القسطنطينية.
فتكاملت المسرات وحلصت الأمنية، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وتذهب السيئات، وبرحمته تغفر الزلات.
والمقصود أن هذا اللعين- أعني النقفور الملقب بالدمستق ملك الأرمن- كان قد أرسل قصيدة إلى الخليفة المطيع لله، نظمها له بعض كتابه ممن كان قد خذله الله وأذله، وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة وصرفه عن الإسلام وأصله. يفتخر فيها بهذا اللعين، ويتعرض لسب الإسلام والمسلمين، ويتوعد فيها أهل حوزة الإسلام بأنه سيملكها كلها حتى الحرمين الشريفين، عما قريب من الأعوام، وهو أقل وأذل وأخس وأضل من الأنعام، ويزعم أنه ينتصر لدين المسيح عليه السلام ابن البتول. وربما يعرض فيها بجناب الرسول عليه من ربه التحية والإكرام، ودوام الصلاة مدى الأيام. ولم يبلغني عن أحد من أهل ذلك العصر أنه رد عليه جوابه، إما لأنها لم تشتهر، وإما لأنه أقل من أن يردوا خطابه لأنه كالمعاند الجاحد. ونفس ناظمها تدل على أنه شيطان مارد.
وقد انتخى للجواب عنها بعد ذلك أبو محمد بن حزم الظاهري: فأفاد وأجاد، وأجاب عن كل فصل باطل بالصواب والسداد، قبل الله بالرحمة ثراه. وجعل الجنة متقلبه ومثواه.
وها أنا أذكر القصيدة الأرمنية المخذولة الملعونة، وأتبعها بالفريدة الإسلامية المنصورة الميمونة قال المرتد الكافر الأرمني على لسان ملكه لعنهما الله وأهل ملتهم أجمعين أكتعين أبتعين أبصعين آمين يا رب العالمين. ومن خط ابن عساكر كتبتها، وقد نقلوها من كتاب صلة الصلة للفرغاني:
من الملك الطهر المسيحي مالك ... إلى خلف الأملاك من آل هاشم
إلى الملك الفضل المطيع أخي العلا ... ومن يرتجى للمعضلات العظائم
أما سمعت أذناك ما أنا صانع ... ولكن دهاك الوهن عن فعل حازم
فإن تك عما قد تقلدت نائما ... فإني عما همني غير نائم
ثغوركم لم يبق فيها- لوهنكم ... وضعفكم- إلا رسوم المعالم
فتحنا الثغور الأرمنية كلها ... بفتيان صدق كالليوث الضراغم
ونحن صلبنا الخيل تعلك لجمها ... وتبلغ منها قضمها للشكائم
إلى كل ثغر بالجزيرة آهل ... إلى جند قنسرينكم فالعواصم
ملطيه مع سميساط من بعد كركر ... وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم
وبالحدث الحمراء جالت عساكري ... وكيسوم بعد الجعفري للمعالم
وكم قد ذللنا من أعزة أهلها ... فصاروا لنا من بين عبد وخادم
وسد سروج إذ خربنا بجمعنا ... لنا رتبة تعلو على كل قائم
وأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا ... بمنديل مولى علا عن وصف آدمي
وصبح رأس العين منا بطارق ... ببيض غزوناها بضرب الجماجم
ودارا وميافارقين وأزرنا ... أذقناهم بالخيل طعم العلاقم
واقريطش قد جازت إليها مراكبي ... على ظهر بحر مزبد متلاطم
فحزمهم أسرى وسيقت نساؤهم ... ذوات الشعور المسبلات النواعم
هناك فتحنا عين زربة عنوة ... نعم وأبدنا كل طاغ وظالم
إلى حلب حتى استبحنا حريمها ... وهدم منها سورها كل هادم
أخذنا النسا ثم البنات نسوقهم ... وصبيانهم مثل المماليك خادم
وقد فر عنها سيف دولة دينكم ... وناصركم منا على رغم راغم
وملنا على طرسوس ميلة حازم ... أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم
فكم ذات عز حرة علوية ... منعمة الأطراف ريا المعاصم
سبينا فسقنا خاضعات حواسرا ... بغير مهور، لا ولا حكم حاكم
وكم من قتيل قد تركنا مجندلا ... يصب دما بين اللها واللهازم
وكم وقعة في الدرب أفنت كماتكم ... وسقناهم قسرا كسوق البهائم
وملنا على أرياحكم وحريمها ... مدوخة تحت العجاج السواهم
فأهوت أعاليها وبدل رسمها ... من الأنس وحشا بعد بيض نواعم
إذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى ... وأتبعه في الربع نوح الحمائم
وأنطاك لم تبعد علي وإنني ... سأفتحها يوما بهتك المحارم
ومسكن آبائي دمشق فإنني ... سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي
ومصر سأفتحها بسيفي عنوة ... وآخذ أموالا بها وبهائمى
وأجزى كافورا بما يستحقه ... بمشط ومقراض وقص محاجم
ألا شمروا يا أهل حمدان شمروا ... أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم
فإن تهربوا تنجوا كراما وتسلموا ... من الملك الصادي بقتل المسالم
كذاك نصيبين وموصلها إلى ... جزيرة آبائي وملك الأقادم
سأفتح سامرا وكوثا وعكبرا ... وتكريتها مع ماردين العواصم
وأقتل أهليها الرجال بأسرها ... وأغنم أموالا بها وحرائم
ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم ... فكلكم مستضعف غير رائم
رضيتم بحكم الديلمي ورفضه ... فصرتم عبيدا للعبيد الديالم
ويا قاطني الرملات ويلكم ارجعوا ... إلى أرض صنعا راعيين البهائم
وعودوا إلى أرض الحجاز أذلة ... وخلوا بلاد الروم أهل المكارم
سألقى جيوشا نحو بغداد سائرا ... إلى باب طاق حيث دار القماقم
وأحرق أعلاها وأهدم سورها ... وأسبي ذراريها على رغم راغم
وأحرز أموالا بها وأسرة ... وأقتل من فيها بسيف النقائم
وأسري بجيشي نحو الاهواز مسرعا ... لإحراز ديباج وخز السواسم
وأشعلها نهبا وأهدم قصورها ... وأسبي ذراريها كفعل الأقادم
ومنها إلى شيراز والري فاعلموا ... خراسان قصرى والجيوش بحارم
إلى شاس بلخ بعدها وخواتها ... وفرغانة مع مروها والمخازم
وسابور أهدمها وأهدم حصونها ... وأوردها يوما كيوم السمائم
وكرمان لا أنسى سجستان كلها ... وكابلها النائى وملك الأعاجم
أسير بجندي نحو بصرتها التي ... لها بحر عجاج رائع متلازم
إلى واسط وسط العراق وكوفة ... كما كان يوما جندنا ذو العزائم
وأخرج منها نحو مكة مسرعا ... أجر جيوشا كالليالي السواجم
فأملكها دهرا عزيزا مسلما ... أقيم بها للحق كرسي عالم
وأحوي نجدا كلها وتهامها ... وسرا واتهام مذحج وقحاطم
وأغزو يمانا كلها وزبيدها ... وصنعاءها مع صعدة والتهائم
فأتركها أيضا خرابا بلاقعا ... خلاء من الأهلين أهل نعائم
وأحوي أموال اليمانين كلها ... وما جمع القرماط يوم محارم
أعود إلى القدس التي شرفت بنا ... بعزمكين ثابت الأصل قائم
وأعلو سريري للسجود معظما ... وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم
هنالك تخلو الأرض من كل مسلم ... لكل نقى الدين أغلف زاعم
نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم ... وأعلنتموا بالمنكرات العظائم
قضاتكم باعوا القضاء بدينهم ... كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم
عدو لكم بالزور يشهد ظاهرا ... وبالإفك والبرطيل مع كل قائم
سأفتح أرض الله شرقا ومغربا ... وأنشر دينا للصليب بصارمى
فعيسى علا فوق السموات عرشه ... يفوز الذي والاه يوم التخاصم
وصاحبكم بالترب أودى به الثرى ... فصار رفاتا بين تلك الرمائم
تناولتم أصحابه بعد موته ... بسب وقذف وانتهاك المحارم
هذا آخرها لعن الله ناظمها وأسكنه النار، يوم لا تنفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم يدعو ناظمها ثبورا ويصلى نارا سعيرا، يوم يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا. إن كان مات كافرا وهذا جوابها لأبي محمد بن حزم الفقيه الظاهري الأندلسي قالها ارتجالا حين بلغته هذه الملعونة غضبا لله ولرسوله ولدينه كما ذكر ذلك من رآه، فرحمه الله وأكرم مثواه وغفر له خطاياه.
من المحتمى لله رب العوالم ... ودين رسول الله من آل هاشم
محمد الهادي إلى الله بالتقى ... وبالرشد والإسلام أفضل قائم
عليه من الله السلام مرددا ... إلى أن يوافي الحشر كل العوالم
إلى قائل بالإفك جهلا وضلة ... عن النقفور المفتري في الأعاجم
دعوت إماما ليس من أمرائه ... بكفيه إلا كالرسوم الطواسم
دهته الدواهي في خلافته كما ... دهت قبله الأملاك دهم الدواهم
ولا عجب من نكبة أو ملمة ... تصيب الكريم الجدود الأكارم
ولو أنه في حال ماضي جدوده ... لجرعتم منه سموم الأراقم
عسى عطفة لله في أهل دينه ... تجدد منه دارسات المعالم
فخرتم بما لو كان فيكم حقيقة ... لكان بفضل الله أحكم حاكم
إذن لاعترتكم خجلة عند ذكره ... وأخرس منكم كل فاه مخاصم
سلبناكم كرا ففزتم بغرة ... من الكر أفعال الضعاف العزائم
فطرتم سرورا عند ذاك ونشوة ... كفعل المهين الناقص المتعالم
وما ذاك إلا في تضاعيف عقله ... عريقا وصرف الدهر جم الملاحم
ولما تنازعنا الأمور تخاذلا ... ودانت لأهل الجهل دولة ظالم
وقد شعلت فينا الخلائف فتنة ... لعبدانهم مع تركهم والدلائم
بكفر أياديهم وجحد حقوقهم ... بمن رفعوه من حضيض البهائم
وثبتم على أطرافنا عند ذاكم ... وثوب لصوص عند غفلة نائم
ألم تنتزع منكم بأعظم قوة ... جميع بلاد الشام ضربة لازم
ومصرا وأرض القيروان بأسرها ... وأندلسا قسرا بضرب الجماجم
ألم ننتزع منكم على ضعف حالنا ... صقلية في بحرها المتلاطم
مشاهد تقديساتكم وبيوتها ... لنا وبأيدينا على رغم راغم
أما بيت لحم والقمامة بعدها ... بأيدي رجال المسلمين الأعاظم
وسركيسكم في أرض إسكندرية ... وكرسيكم في القدس في أدرثاكم
ضممناكم قسرا برغم انوفكم ... وكرسي قسطنطينية في المعادم
ولا بد من عود الجميع بأسره ... إلينا بعز قاهر متعاظم
أليس يزيد حل وسط دياركم ... على باب قسطنطينية بالصوارم
ومسلمة قد داسها بعد ذاكم ... يجيش تهام قد دوى بالضراغم
وأخدمكم بالذل مسجدنا الذي ... بني فيكم في عصره المتقادم
إلى جنب قصر الملك من دار ملككم ... ألا هذه حق صرامة صارم
وأدى لهارون الرشيد مليككم ... رفادة مغلوب وجزية غارم
سلبناكم مصرا شهود بقوة ... حبانا بها الرحمن أرحم راحم
إلى بيت يعقوب وأرباب دومة ... إلى لجة البحر المحيط المحارم
فهل سرتم في أرضنا قط جمعة ... أبى لله ذاكم يا بقايا الهزائم
فما لكم إلا الأماني وحدها ... بضائع نوكى تلك أحلام نائم
رويدا بعد نحو الخلافة نورها ... وسفر مغير وجوه الهواشم
وحينئذ تدرون كيف قراركم ... إذا صدمتكم خيل جيش مصادم
على سالف العادات منا ومنكم ... ليالي بهم في عداد الغنائم
سبيتم سبايا يحصر العد دونها ... وسبيكم فينا كقطر الغمائم
فلو رام بخلق عدها رام معجزا ... وأنى بتعداد لرش الحمائم
بأبنا بنى حمدان وكافور صلتم ... أراذل أنجاس قصار المعاصم
دعي وحجام سطوتم عليهما ... وما قدر مصاص دماء المحاجم
فهلا على دميانة قبل ذاك أو ... على محل أربا رماة الضراغم
ليالي قادكم كما اقتادكم ... أقيال جرجان بحز الحلاقم
وساقوا على رسل بنات ملوككم ... سبايا كما سيقت ظباء الصرائم
ولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلى ... لكم من ملوك مكرمين قماقم
يخبركم عنا التنوخ وقيصر ... وكم قد سبينا من نساء كرائم
وعما فتحنا من منيع بلادكم ... وعما أقمنا فيكم من مآتم
ودع كل نذل مفتر لا تعده ... إماما ولا الدعوى له بالتقادم
فهيهات سامرا وتكريت منكم ... إلى جبل تلكم أمانى هائم
منى يتمناها الضعيف ودونها ... نظائرها ... وحز الغلاصم
تريدون بغداد سوقا جديدة ... مسيرة شهر للفنيق القواصم
محلة أهل الزهد والعلم والتقى ... ومنزلة يختارها كل عالم
دعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها ... من المسلمين الغر كل مقاوم
ودون دمشق جمع جيش كأنه ... سحائب طير ينتحى بالقوادم
وضرب يلقي الكفر كل مذلة ... كما ضرب السكي بيض الدراهم
ومن دون أكناف الحجاز وجحافل ... كقطر الغيوم الهلائلات السواحم
بها من بني عدنان كل سميدع ... ومن حي قحطان كرام العمائم
ولو قد لقيتم من قضاعة كبة ... لقيتم ضراما في يبيس الهشائم
إذا أصبحوكم ذكروكم بما خلى ... لهم معكم من صادق متلاحم
زمان يقودون الصوافن نحوكم ... فجئتم ضمانا أنكم في الغنائم
سيأتيكم منهم قريبا عصائب ... تنسيكم تذكار أخذ العواصم
وأموالكم حل لهم ودماؤكم ... بها يشتفى حر الصدور الحوائم
وأرضيكم حقا سيقتسمونها ... كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم
ولو طرقتكم من خراسان عصبة ... وشيراز والري الملاح القوائم
لما كان منكم عند ذلك غير ما ... عهدنا لكم: ذل وعض الأباهم
فقد طالما زاروكم في دياركم ... مسيرة عام بالخيول الصوادم
فأما سجستان وكرمان بالأولى ... وكابل حلوان بلاد المراهم
وفي فارس والسوس جمع عرموم ... وفي أصبهان كل أروع عارم
فلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم ... فرائس كالآساد فوق البهائم
وبالبصرة الغراء والكوفة التي ... سمت وبآدى واسط بالعظائم
جموع تسامى الرمل عدا وكثرة ... فما أحد عادوه منه بسالم
ومن دون بيت الله في مكة التي ... حباها بمجد للبرايا مراحم
محل جميع الأرض منها تيقنا ... محلة سفل الخف من فص خاتم
دفاع من الرحمن عنها بحقها ... فما هو عنها رد طرف برائم
بها وقع الأحبوش هلكى وفيلهم ... بحصباء طير في ذرى الجو حائم
وجمع كجمع البحر ماض عرمرم ... حمى بنية البطحاء ذات المحارم
ومن دون قبر المصطفى وسط طيبة ... جموع كمسود من الليل فاحم
يقودهم جيش الملائكة العلى ... دفاعا ودفعا عن مصل وصائم
فلو قد لقيناكم لعدتم رمائما ... كما فرق الاعصار عظم البهائم
وباليمن الممنوع فتيان غارة ... إذا ما لقوكم كنتم كالمطاعم
وفي جانبي أرض اليمامة عصبة ... معاذر أمجاد طوال البراجم
نستفينكم والقرمطيين دولة ... تقووا بميمون النقيبة حازم
خليفة حق ينصر الدين حكمه ... ولا يتقي في الله لومة لائم
إلى ولد العباس تنمى جدوده ... بفخر عميم مزبد الموج فأعم
ملوك جرى بالنصر طائر سعدهم ... فأهلا بماضي منهم وبقادم
محلهم في مسجد القدس أو لدى ... منازل بغداد محل المكارم
وإن كان من عليا عدي وتيمها ... ومن أسد هذا الصلاح الحضارم
فأهلا وسهلا ثم نعمى ومرحبا ... بهم من خيار سالفين أقادم
هم نصروا الإسلام نصرا مؤزرا ... وهم فتحوا البلدان فتح المراغم
رويدا فوعد الله بالصدق وارد ... بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم
سنفتح قسطنطينية وذواتها ... ونجعلكم فوق النسور القعاشم
ونفتح أرض الصين والهند عنوة ... بجيش لأرض الترك والخزر حاطم
مواعيد للرحمن فينا صحيحة ... وليست كآمال العقول السواقم
وتملك أقصى أرضكم وبلادكم ... ونلزمكم ذل الحر أو الغارم
إلى أن ترى الإسلام قد عم حكمه ... جميع الأراضي بالجيوش الصوارم
أتقرن يا مخذول دينا مثلثا ... بعيدا عن المعقول بادي المآثم
تدين لمخلوق يدين لغيره ... فيا لك سحقا ليس يخفى لعالم
أناجيلكم مصنوعة قد تشابهت ... كلام الأولى فيها أتوا بالعظائم
وعود صليب ما تزالون سجدا ... له يا عقول الهاملات السوائم
تدينون تضلالا بصلب إلهكم ... بأيدي يهود أرذلين لآثم
إلى ملة الإسلام توحيد ربنا ... فما دين ذي دين لها بمقاوم
وصدق رسالات الذي جاء بالهدى ... محمد الآتي برفع المظالم
وأذعنت الأملاك طوعا لدينه ... ببرهان صدق طاهر في المواسم
كما دان في صنعاء مالك دولة ... وأهل عمان حيث رهط الجهاضم
وسائر أملاك اليمانين أسلموا ... ومن بلد البحرين قوم الهازم
أجابوا لدين الله لا من مخافة ... ولا رغبة يحظى بها كف عادم
فحلوا عرى التيجان طوعا ورغبة ... بحق يقين بالبراهين فاحم
وحاباه بالنصر المكين إلهه ... وصير من عاداه تحت المناسم
فقير وحيد لم تعنه عشيرة ... ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم
ولا عنده مال عتيد لناصر ... ولا دفع مرهوب ولا لمسالم
ولا وعد الأنصار مالا يخصهم ... بلى كان معصوما لأقدر عاصم
ولم تنهنهه قط قوة آسر ... ولا مكنت من جسمه يد ظالم
كما يفتري إفكا وزورا وضلة ... على وجه عيسى منكم كل لاطم
على أنكم قد قلتموا هو ربكم ... فيا لضلال في القيامة عائم
أبى لله أن يدعى له ابن وصاحب ... ستلقى دعاة الكفر حالة نادم
ولكنه عبد نبي رسول مكرم ... من الناس مخلوق ولا قول زاعم
أيلطم وجه الرب؟ تبا لدينكم ... لقد فقتم في قولكم كل ظالم
وكم آية أبدى النبي محمد ... وكم علم أبداه للشرك حاطم
تساوى جميع الناس في نصر حقه ... بل لكل في إعطائه حال خادم
فعرب وأحبوش وفرس وبربر ... وكرديهم قد فاز قدح المراحم
وقبط وأنباط وخزر وديلم ... وروم رموكم دونه بالقواصم
أبوا كفر أسلاف لهم فتمنعوا ... فآبوا بحظ في السعادة لازم
به دخلوا في ملة الحق كلهم ... ودانوا لأحكام الا له اللوازم
به صح تفسير المنام الذي أتى ... به دانيال قبله حتم حاتم
وهند وسند أسلموا وتدينوا ... بدين الهدى رفض لدين الأعاجم
وشق له بدر السموات آية ... وأشبع من صاع له كل طاعم
وسالت عيون الماء في وسط كفه ... فأروى به جيشا كثيرا هماهم
وجاء بما تقضى العقول بصدقة ... ولا كدعاء غير ذات قوائم
عليه سلام الله ما ذر شارق ... تعقبه ظلماء أسحم قاتم
براهينه كالشمس لا مثل قولكم ... وتخليطكم في جوهر وأقانم
لنا كل علم من قديم ومحدث ... وأنتم حمير داميات المحازم
أتيتم بشعر بارد متخاذل ... ضعيف معاني النظم جم البلاعم
فدونكها كالعقد فيه زمرد ... ودر وياقوت بإحكام حاكم
وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن القضاء ونقضت سجلاته وأبطلت أحكامه مدة أيامه، وولي القضاء عوضه أبو بشر عمر بن أكتم بن رزق، ورفع عنه ما كان يحمله ابن أبى الشوارب في كل سنة وفي ذي الحجة منها استسقى الناس لتأخر المطر- وذلك في كانون الثاني- فلم يسقوا. وحكى ابن الجوزي في المنتظم عن ثابت بن سنان المؤرخ قال: حدثني جماعة ممن أثق بهم أن بعض بطارقة الأرمن أنفذ في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين من الأرمن ملتصقين سنهما خمس وعشرون سنة، ملتحمين ومعهما أبوهما، ولهما سرتان وبطنان ومعدتان وجوعهما وريهما يختلفان، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى الغلمان، وكان يقع بينهما خصومة وتشاجر، وربما يحلف الآخر لا يكلم الآخر فيمكث كذلك أياما ثم يصطلحان، وهبهما ناصر الدولة ألفي درهم وخلع عليهما ودعاهما إلى الإسلام فيقال إنهما أسلما. وأراد أن يبعثهما إلى بغداد ليراهما الناس ثم رجع عن ذلك، ثم إنهما رجعا إلى بلدهما مع أبيهما فاعتل أحدهما ومات وأنتن ريحه وبقي الآخر لا يمكنه التخلص منه، وقد كان اتصال ما بينهما من الخاصرتين، وقد كان ناصر الدولة أراد فصل أحدهما عن الآخر وجمع الأطباء لذلك فلم يمكن، فلما مات أحدهما حار أبوهما في فصله عن أخيه فاتفق اعتلال الآخر من غمه ونتن أخيه فمات غما فدفنا جميعا في قبر واحد.
وممن توفي فيها من الأعيان عمر بن أكثم بن أحمد بن حيان بن بشر أبو بشر الأسدي، ولد سنة أربع وثمانين ومائتين، وولي القضاء في زمن المطيع نيابة عن أبي السائب عتبة بن عبيد الله،
ثم ولي قضاء القضاة، وهو أول من ولي قضاء القضاة من الشافعية سوى أبي السائب، وكان جيد السيرة في القضاء. توفى في ربيع الأول منها.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
