الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
74

ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة

الجزء العاشر 4 عنصر صفحة 239
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة ص 239

فيها خامر خزيمة بن خازم على محمد الأمين وأخذ الأمان من طاهر. ودخل هرثمة بن أعين من الجانب الشرقي. وفي يوم الأربعاء لثمان خلون من المحرم وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر بغداد فقطعاه ونصبا رايتهما عليه. ودعوا إلى بيعة عبد الله المأمون وخلع محمد الأمين، ودخل طاهر يوم الخميس إلى الجانب الشرقي فباشر القتال بنفسه، ونادى بالأمان لمن لزم منزله، وجرت عند دار الرقيق والكرخ وغيرهما وقعات، وأحاطوا بمدينة أبي جعفر والخلد وقصر زبيدة، ونصب المجانيق حول السور وحذاء قصر زبيدة، ورماه بالمنجنيق، فخرج الأمين بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامة الناس في الطريق، لا يلوى أحد على أحد، حتى دخل قصر أبي جعفر وانتقل من الخلد لكثرة ما يأتيه فيه من رمي المنجنيق، وأمر بتحريق ما كان فيه من الأثاث والبسط والأمتعة وغير ذلك، ثم حصر حصرا شديدا. ومع هذه الشدة والضيق وإشرافه على الهلاك خرج ذات ليلة في ضوء القمر إلى شاطئ دجلة واستدعى بنبيذ وجارية فغنته فلم ينطلق لسانها إلا بالفراقيات وذكر الموت وهو يقول: غير هذا، وتذكر نظيره حتى غنته آخر ما غنته:

أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك

ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك

إلا لنقل السلطان من ملك ... قد انقضى ملكه إلى ملك

وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك

قال: فسبها وأقامها من عنده فعثرت في قدح كان له من بلور فكسرته فتطير بذلك. ولما ذهبت الجارية سمع صارخا يقول قضي الأمر الذي فيه تستفتيان 12: 41 فقال لجليسه: ويحك ألا تسمع، فتسمع فلا يسمع شيئا، ثم عاد الصوت بذلك فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى قتل في رابع صفر يوم الأحد، وقد حصل له من الجهد والضيق في حصره شيئا كثيرا بحيث إنه لم يبق له طعام يأكله ولا شراب بحيث إنه جاع ليلة فما أتي برغيف ودجاجة إلا بعد شدة عظيمة، ثم طلب ماء فلم يوجد له فبات عطشانا فلما أصبح قتل قبل أن يشرب الماء.

كيفية مقتله ص 239

لما اشتد به الأمر اجتمع عنده من بقي معه من الأمراء والخدم والجند، فشاورهم في أمره فقالت

طائفة: تذهب بمن بقي معك إلى الجزيرة أو الشام فتتقوى بالأموال وتستخدم الرجال. وقال بعضهم تخرج إلى طاهر وتأخذ منه أمانا وتبايع لأخيك، فإذا فعلت ذلك فإن أخاك سيأمر لك بما يكفيك ويكفى أهلك من أمر الدنيا، وغاية مرادك الدعة والراحة، وذلك يحصل لك تاما. وقال بعضهم: بل هرثمة أولى بأن يأخذ لك منه الأمان فإنه مولاكم وهو أحنى عليك. فمال إلى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد الرابع من صفر بعد عشاء الآخرة واعد هرثمة أن يخرج إليه، ثم لبس ثياب الخلافة وطيلسانا واستدعى بولديه فشمهما وضمهما إليه وقال: أستودعكما الله، ومسح دموعه بطرف كمه، ثم ركب على فرس سوداء وبين يديه شمعة، فلما انتهى إلى هرثمة أكرمه وعظمه وركبا في حراقة في دجلة، وبلغ ذلك طاهرا فغضب من ذلك وقال: أنا الذي فعلت هذا كله، ويذهب إلى غيري، وينسب هذا كله إلى هرثمة؟ فلحقهما وهما في الحراقة فأمالها أصحابه فغرق من فيها، غير أن الأمين سبح إلى الجانب الآخر وأسره بعض الجند. وجاء فأعلم طاهرا فبعث إليه جندا من العجم فجاءوا إلى البيت الذي هو فيه وعنده بعض أصحابه وهو يقول له: ادن مني فإني أجد وحشة شديدة، وجعل يلتف في ثيابه شديدا وقلبه يخفق خفقانا عظيما، كاد يخرج من صدره. فلما دخل عليه أولئك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم دنا منه أحدهم فضربه بالسيف على مفرق رأسه فجعل يقول: ويحكم أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا ابن هارون، أنا أخو المأمون، الله الله في دمي. فلم يلتفتوا إلى شيء من ذلك، بل تكاثروا عليه وذبحوه من قفاه وهو مكبوب على وجهه وذهبوا برأسه إلى طاهر وتركوا جثته، ثم جاءوا بكرة إليها فلفوها في جل فرس وذهبوا بها. وذلك ليلة الأحد لأربع ليال خلت من صفر من هذه السنة.

وهذا شيء من ترجمته ص 240

هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور، أبو عبد الله ويقال أبو موسى الهاشمي العباسي، وأمه أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، كان مولده بالرصافة سنة سبعين ومائة [قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عياش بن هشام عن أبيه قال: ولد محمد الأمين بن هارون الرشيد في شوال سنة سبعين ومائة [1]] . وأتته الخلافة بمدينة السلام بغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وقيل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم، وقتل سنة ثمان وتسعين ومائة، قتله قريش الدنداني، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح وتلا هذه الآية قل اللهم مالك الملك 3: 26 وكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام، وكان طويلا سمينا أبيض أقنى الأنف صغير العينين، عظيم الكراديس بعيدا ما بين المنكبين. وقد رماه بعضهم بكثرة اللعب والشرب وقلة الصلاة. وقد ذكر ابن جرير طرفا من سيرته في إكثاره من

اقتناء السودان والخصيان، وإعطائه الأموال والجواهر، وأمره بإحضار الملاهي والمغنين من سائر البلاد، وأنه أمر بعمل خمس حراقات على صورة الفيل والأسد والعقاب والحية والفرس، وأنفق على ذلك أموالا جزيلة جدا، وقد امتدحه أبو نواس بشعر أقبح في معناه من صنيع الأمين فإنه قال في أوله:

سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب

فإذا ما ركابه سرن برا ... سار في الماء راكبا ليث غاب

ثم وصف كلا من تلك الحراقات. واعتنى الأمين ببنايات هائلة للنزهة وغيرها، وأنفق في ذلك أموالا كثيرة جدا. فكثر النكير عليه بسبب ذلك.

وذكر ابن جرير أنه جلس يوما في مجلس أنفق عليه ما لا جزيلا في الخلد، وقد فرش له بأنواع الحرير، ونضد بآنية الذهب والفضة، وأحضر ندماءه وأمر القهرمانة أن تهيئ له مائة جارية حسناء وأمرها أن تبعثهن إليه عشرا بعد عشر يغنينه، فلما جاءت العشر الأول اندفعن يغنين بصوت واحد:

همو قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه

فغضب من ذلك وتبرم وضرب رأسها بالكأس، وأمر بالقهرمانة أن تلقى إلى الأسد فأكلها.

ثم استدعى بعشرة فاندفعن يغنين:

من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار

يجد النساء حواسرا يندبنه ... يلطمن قبل تبلج الأسحار

فطردهن واستدعى بعشر غيرهن، فلما حضرن اندفعن يغنين بصوت واحد:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم

فطردهن وقام من فوره وأمر بتخريب ذلك المجلس وتحريق ما فيه.

وذكر أنه كان كثير الأدب فصيحا يقول الشعر ويعطي عليه الجوائز الكثيرة، وكان شاعره أبا نواس، وقد قال فيه أبو نواس مدائح حسانا، وقد وجده مسجونا في حبس الرشيد مع الزنادقة فأحضره وأطلقه وأطلق له مالا وجعله من ندمائه، ثم حبسه مرة أخرى في شرب الخمر وأطال حبسه ثم أطلقه وأخذ عليه العهد أن لا يشرب الخمر ولا يأتى الذكور من المردان فامتثل ذلك، وكان لا يفعل شيئا من ذلك بعد ما استتابه الأمين، وقد تأدب على الكسائي وقرأ عليه القرآن. وروى الخطيب من طريقه حديثا أورده عنه لما عزي في غلام له توفي بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات محرمات حشر ملبيا» . وقد قدمنا ما وقع بينه وبين أخيه من الاختلاف والفرقة، حتى أفضى ذلك إلى خلعه وعزله، ثم

إلى التضيق عليه، ثم إلى قتله، وأنه حصر في آخر أمره حتى احتاج إلى مصانعة هرثمة، وأنه ألقى في حراقة ثم ألقى منها فسبح إلى الشط الآخر فدخل دار بعض العامة وهو في غاية الخوف والدهش والجوع والعرى، فجعل الرجل يلقنه الصبر والاستغفار، فاشتغل بذلك ساعة من الليل، ثم جاء الطلب وراءه من جهة طاهر بن الحسين بن مصعب، فدخلوا عليه وكان الباب ضيقا فتدافعوا عليه وقام إليهم فجعل يدافعهم عن نفسه بمخدة في يده، فما وصلوا إليه حتى عرقبوه وضربوا رأسه أو خاصرته بالسيوف، ثم ذبحوه وأخذوا رأسه وجثته فأتوا بهما طاهرا، ففرح بذلك فرحا شديدا، وأمر بنصب الرأس فوق رمح هناك حتى أصبح الناس فنظروا إليه فوق الرمح عند باب الأنبار، وكثر عدد الناس ينظرون إليه. ثم بعث طاهر برأس الأمين مع ابن عمه محمد بن مصعب، وبعث معه بالبردة والقضيب والنعل- وكان من خوص مبطن- فسلمه إلى ذي الرئاستين، فدخل به على المأمون على ترس، فلما رآه سجد وأمر لمن جاء به بألف ألف درهم. وقد قال ذو الرئاستين حين قدم الرأس يؤلب على طاهر: أمرناه بأن يأتى به أسيرا فأرسل به إلينا عقيرا. فقال المأمون:

مضى ما مضى. وكتب طاهر إلى المأمون كتابا ذكر فيه صورة ما وقع حتى آل الحال إلى ما آل إليه.

ولما قتل الأمين هدأت الفتن وخمدت الشرور، وأمن الناس، وطابت النفس، ودخل طاهر بغداد يوم الجمعة وخطبهم خطبة بليغة ذكر فيها آيات كثيرة من القرآن، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأمرهم فيها بالجماعة والسمع والطاعة ثم خرج إلى معسكره فأقام به وأمر بتحويل زبيدة من قصر أبي جعفر إلى قصر الخلد، فخرجت يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، وبعث بموسى وعبد الله ابني الأمين إلى عمهما المأمون بخراسان، وكان ذلك رأيا سديدا. وقد وثب طائفة من الجند على طاهر بعد خمسة أيام من مقتل الأمين وطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده إذ ذاك مال، فتحزبوا واجتمعوا ونهبوا بعض متاعه ونادوا: يا موسى يا منصور، واعتقدوا أن موسى بن الأمين الملقب بالناطق هناك، وإذا هو قد سيره إلى عمه. وانحاز طاهر بمن معه من القواد ناحية وعزم على قتالهم بمن معه، ثم رجعوا إليه واعتذروا وندموا، فأمر لهم برزق أربعة أشهر بعشرين ألف دينار اقترضها من بعض الناس، فطابت الخواطر. ثم إن إبراهيم بن المهدي قد أسف على قتل محمد الأمين بن زبيدة ورثاه بأبيات، فبلغ ذلك المأمون فبعث إليه يعنفه ويلومه على ذلك، وقد ذكر ابن جرير مراثي كثيرة للناس في الأمين، وذكر من أشعار الذين هجوه طرفا، وذكر من شعر طاهر بن الحسين حين قتله قوله: -

ملكت الناس قسرا واقتدارا ... وقتلت الجبابرة الكبارا

ووجهت الخلافة نحو مرو ... إلى المأمون تبتدر ابتدارا

ذكر خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون ص 243

لما قتل أخوه محمد في رابع صفر من سنة ثمان وتسعين ومائة وقيل في المحرم، استوسقت البيعة شرقا وغربا للمأمون: فولى الحسن بن سهل نيابة العراق وفارس والأهواز والكوفة والبصرة والحجاز واليمن، وبعث نوابه إلى هذه الأقاليم، وكتب إلى طاهر بن الحسين أن ينصرف إلى الرقة لحرب نصر بن شبث، وولاه نيابة الجزيرة والشام والموصل والمغرب. وكتب إلى هرثمة بن أعين بنيابة خراسان. وفيها حج بالناس العباس بن عيسى الهاشمي. وفيها توفى سفيان بن عيينة. وعبد الرحمن ابن مهدي. ويحيى القطان. فهؤلاء الثلاثة سادة العلماء في الحديث والفقه وأسماء الرجال.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.