ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة
ص 172
فيها كان قدوم الفضل بن يحيى من خراسان وقد استخلف عليها عمر بن جميل، فولى الرشيد عليها منصور بن يزيد بن منصور الحميري. وفيها عزل الرشيد خالد بن برمك عن الحجوبة وردها إلى الفضل بن الربيع. وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني، وكان من أمره ما سيأتي طرف منه. وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه حتى قتله وتفرق أصحابه، فقالت الفارعة في أخيها الوليد ابن طريف ترثيه:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
وفيها خرج الرشيد معتمرا من بغداد شكرا لله عز وجل، فلما قضى عمرته أقام بالمدينة حتى حج بالناس في هذه السنة، فمشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر كلها ماشيا، ثم انصرف إلى بغداد على طريق البصرة.
إسماعيل بن محمد
ص 172
ابن يزيد بن ربيعة أبو هاشم الحميري الملقب بالسيد، كان من الشعراء المشهورين المبرزين فيه، ولكنه كان رافضيا خبيثا، وشيعيا غثيثا، وكان ممن يشرب الخمر ويقول بالرجعة- أي بالدور- قال يوما لرجل: أقرضني دينارا ولك عندي مائة دينار إذا رجعنا إلى الدنيا. فقال له
الرجل: إني أخشى أن تعود كلبا أو خنزيرا فيذهب ديناري.
وكان قبحه الله يسب الصحابة في شعره. قال الأصمعي: ولولا ذلك ما قدمت عليه أحدا في طبقته، ولا سيما الشيخين وابنيهما. وقد أورد ابن الجوزي شيئا من شعره في ذلك كرهت أن أذكره لبشاعته وشناعته، وقد اسود وجهه عند الموت وأصابه كرب شديد جدا. ولما مات لم يدفنوه لسبه الصحابة رضى الله عنهم. وفيها توفي.
حماد بن زيد
ص 173
أحد أئمة الحديث. وخالد بن عبد الله أحد الصلحاء، كان من سادات المسلمين، اشترى نفسه من الله أربع مرات. ومالك بن أنس الإمام، والهقل بن زياد صاحب الأوزاعي، وأبو الأحوص.
وكلهم قد ذكرناهم في التكميل.
والامام مالك
ص 173
هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فهو مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيلان بن حشد بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الحميري، أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن غير واحد من التابعين، وحدث عنه خلق من الأئمة، منهم السفيانا، وشعبة، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن مهدي وابن جريح والليث والشافعي والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال. وقال يحيى بن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية. وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري. وقال الشافعي: إذا جاء الحديث فمالك النجم. وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك. ومناقبه كثيرة جدا، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان. قال أبو مصعب:
سمعت مالكا يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وكان إذا أراد أن يحدث تنظف وتطيب وسرح لحيته ولبس أحسن ثيابه، وكان يلبس حسنا. وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل، وكان إذا دخل منزله قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وكان منزله مبسوطا بأنواع المفارش. ومن وقت خروج محمد بن عبد الله بن حسن لزم مالك بيته فلم يكن يأتى أحدا لا لعزاء ولا لهناء، ولا يخرج لجمعه ولا لجماعة، ويقول: ما كان ما يعلم يقال، وليس كل أحد يقدر على الاعتذار ولما احتضر قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم جعل يقول: لله الأمر من قبل ومن بعد، ثم قبض في ليلة أربعة عشر من صفر، وقيل من ربيع الأول من هذه السنة، وله خمس وثمانون سنة.
قال الواقدي: بلغ سبعين سنة ودفن بالبقيع. وقد روى الترمذي عن سفيان بن عيينة عن ابن جريح عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبى هريرة: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل
يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة» . ثم قال: هذا حديث حسن. وقد روى عن ابن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس. وكذا قال عبد الرزاق. وعن ابن عيينة رواية أنه عبد العزيز بن عبد الله العمري. وقد ترجمه ابن خلكان في الوفيات فأطنب وأتى بفوائد جمة.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.