الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية
46

ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية

الجزء العاشر 4 عنصر صفحة 157
ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية ص 157

وفيها عزم الهادي على خلع أخيه هارون الرشيد من الخلافة وولاية العهد لابنه جعفر بن الهادي فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة بل أجاب، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء فأجابوه إلى ذلك، وأبت ذلك أمهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، وكان الهادي قد منعها من التصرف في شيء من المملكة لذلك، بعد ما كانت قد استحوذت عليه في أول ولايته، وانقلبت الدول إلى بابها والأمراء إلى جنابها، فحلف الهادي لئن عاد أمير إلى بابها ليضربن عنقه ولا يقبل منه شفاعة، فامتنعت من الكلام في ذلك، وحلفت لا تكلمه أبدا، وانتقلت عنه إلى منزل آخر. وألح هو على أخيه هارون في الخلع وبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك- وكان من أكابر الأمراء الذين هم في صف الرشيد- فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال له خالد: إني أخشى أن تهون الأيمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفرا ولي العهد من بعد هارون، وأيضا فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاهم الأمر ويختلف الناس. فأطرق مليا- وكان ذلك ليلا- ثم أمر بسجنه ثم أطلقه. وجاء يوما إليه أخوه هارون الرشيد فجلس عن يمينه بعيدا، فجعل الهادي ينظر إليه مليا ثم قال: يا هارون! تطمع أن تكون وليا للعهد حقا؟ فقال: إي والله، ولئن كان ذلك لأصلن من قطعت، ولأنصفن من ظلمت، ولأزوجن بنيك من بناتي. فقال ذاك الظن بك. فقام إليه هارون ليقبل يده فحلف الهادي ليجلس معه على السرير فجلس معه، ثم أمر له بألف ألف دينار، وأن يدخل الخزائن فيأخذ منها ما أراد، وإذا جاء الخراج دفع إليه نصفه. ففعل ذلك كله ورضي الهادي عن الرشيد. ثم سافر الهادي إلى حديثه الموصل بعد الصلح، ثم عاد منها فمات بعيساباذ ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول، وقيل لآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافته ستة أشهر [1] وثلاثة وعشرون يوما. وكان طويلا جميلا، أبيض، بشفته العليا تقلص.

وقد توفى هذه الليلة خليفة وهو الهادي، وولي خليفة وهو الرشيد، وولد خليفة وهو المأمون بن الرشيد. وقد قالت الخيزران أمهما في أول الليل: إنه بلغني أن يولد خليفة ويموت خليفة ويولى خليفة. يقال إنها سمعت ذلك من الأوزاعي قبل ذلك بمدة، وقد سرها ذلك جدا. ويقال: إنها

سمت ولدها الهادي خوفا منه على ابنها الرشيد، ولأنه كان قد أبعدها وأقصاها وقرب حظيته خالصة وأدناها فالله أعلم.

وهذا ذكر شيء من ترجمة الهادي ص 158

هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبو محمد الهادي. ولى الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة. ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث، وقيل أربع، وقيل ست وعشرون سنة، والصحيح الأول، ويقال إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه، وكان حسنا جميلا طويلا، أبيض، وكان قوي البأس يثب على الدابة وعليه درعان، وكان أبوه يسميه ريحانتي. ذكر عيسى بن دأب قال:

كنت يوما عند الهادي إذ جيء بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا، لم أر أحسن صورا منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا رأيت مثل طيب ريحهما.

فقال لنا الخليفة: أتدرون ما شأن هاتين؟ قلت: لا. فقال: إنه ذكر أنه تركب إحداهما الأخرى يفعلان الفاحشة، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة، فأمرت بحز رقابتهما. ثم أمر برفع رءوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الأول كأنه لم يصنع شيئا. وكان شهما خبيرا بالملك كريما، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني، والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك. وغضب يوما على رجل فاسترضي عنه فرضي، فشرع الرجل يعتذر فقال الهادي: إن الرضا كفاك مؤنة الاعتذار. وعزى رجلا في ولده فقال له: سرك وهو عدو وفتنة، وساءك وهو صلاة ورحمة. وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي قصيدة له منها قوله: -

تشابه يوما بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل

فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ فقال:

يا أمير المؤمنين أو أحسن من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تكون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين. فقال الهادي: أو أحسن من ذلك، نعجل الجميع لك. فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة.

قال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري ثنا سهل بن أحمد الديباجي ثنا الصولي ثنا الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكي حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أبي محمد الهادي شهودا على رجل منا أنه شتم قريشا وتخطي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه. فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال: إني سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور

عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس قال: من أهان قريشا أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن آذيت قريشا حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ اضربوا عنقه. فما برحنا حتى قتل.

توفي الهادي في ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليه أخوه هارون، ودفن في قصر بناه وسماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد، وكان له من الولد تسعة، سبعة ذكور وابنتان، فالذكور جعفر، وعباس، وعبد الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى الأعمى، الذي ولد بعد وفاته فسمي باسم أبيه. والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون، وأم العباس تلقب توبة.

خلافة هارون الرشيد بن المهدي ص 159

بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة وكان عمر الرشيد يومئذ ثنتان وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك فأخرجه من السجن، وقد كان الهادي عزم تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد، وكان الرشيد ابنه من الرضاعة، فولاه حينئذ الوزارة، وولى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الإنشاء. وكان هو الذي قام خطيبا بين يديه حتى أخذت البيعة له على المنبر بعيساباذ، ويقال إنه لما مات الهادي في الليل جاء يحيى ابن خالد بن برمك إلى الرشيد فوجده نائما فقال: قم يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: كم تروعنى، لو سمعك هذا الرجل لكان ذلك أكبر ذنوبي عنده؟ فقال: قد مات الرجل. فجلس هارون فقال:

أشر على في الولايات. فجعل يذكر ولايات الأقاليم لرجال يسميهم فيوليهم الرشيد، فبينما هما كذلك إذ جاء آخر فقال: أبشر يا أمير المؤمنين فقد ولد لك الساعة غلام. فقال: هو عبد الله وهو المأمون. ثم أصبح فصلى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ، وحلف لا يصلي الظهر إلا ببغداد. فلما فرغ من الجنازة أمر بضرب عنقه أبي عصمة القائد لأنه كان مع جعفر بن الهادي، فزاحموا الرشيد على جسر فقال أبو عصمة: اصبر وقف حتى يجوز ولي العهد. فقال الرشيد: السمع والطاعة للأمير. فجاز جعفر و. أبو عصمة ووقف الرشيد مكسورا ذليلا. فلما ولى أمر بضرب عنق أبي عصمة، ثم سار إلى بغداد. فلما انتهى إلى جسر بغداد استدعى بالغواصين فقال إني سقط مني هاهنا خاتم كان والدي المهدي قد اشتراه لي بمائة ألف، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبه فألقيته إلى الرسول فسقط هاهنا. فغاص الغواصون وراءه فوجدوه فسر به الرشيد سرورا كثيرا. ولما ولى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له: قد فوضت إليك امر الريعة وخلعت ذلك من عنقي وجعلته في عنقك، فول من رأيت واعزل من رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي: -

ألم تر أن الشمس كانت سقيمة ... فلما ولي هارون أشرق نورها

بيمن أمين الله هارون ذي الندى ... فهارون واليها ويحيى وزيرها

ثم إن هارون أمر يحيى بن خالد أن لا يقطع أمرا إلا بمشاورة والدته الخيزران. فكانت هي المشاورة في الأمور كلها، فتبرم وتحل وتمضى وتحكم.

وفيها أمر الرشيد بسهم ذوى القربى أن يقسم بين بني هاشم على السواء. وفيها تتبع الرشيد خلقا من الزنادقة فقتل منهم طائفة كثيرة. وفيها خرج عليه بعض أهل البيت. وفيها ولد الأمين محمد بن الرشيد ابن زبيدة. وذلك يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة. وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وفيها حج بالناس أمير المؤمنين الرشيد، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة، ويقال إنه غزا في هذه السنة أيضا. وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر: -

بهارون لاح النور في كل بلدة ... وقام به في عدل سيرته النهج

إمام بذات الله أصبح شغله ... وأكثر ما يعنى به الغزو والحج

تضيق عيون الناس عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج

وإن أمين الله هارون ذا الندا ... ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو

وغزا الصائفة فيها سليمان بن عبد الله البكائي.

ذكر من توفي فيها من الأعيان ص 160

الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدى، ويقال الفرهودى الأزدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الذي اخترع علم العروض. قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر وهو الخبب، وقد قال بعض الشعراء: -

قد كان شعر الورى صحيحا ... من قبل أن يخلق الخليل

وقد كان له معرفة بعلم النغم، وله فيه تصنيف أيضا، وله كتاب العين في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل، كمؤرج السدوسي، ونصر بن علي الجهضمي. فلم يناسبوا ما وضعه الخليل. وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد. وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا، وكان متقللا من الدنيا جدا، صبورا على خشونة العيش وضيقه، وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي، وكان ظريفا حسن الخلق، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه، قال فقلت له يوما: كيف تقطع هذا البيت؟

إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع

فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي، وكأنه فهم ما أشرت

إليه. ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأحمد سوى أبيه، روي ذلك عن أحمد بن أبي خيثمة والله أعلم. ولد الخليل سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور، وقيل سنة ستين، وزعم ابن الجوزي في كتابه شذور العقود أنه توفي سنة ثلاثين ومائة، وهذا غريب جدا. والمشهور الأول.

وفيها توفى الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، المصري المؤدب راوية الشافعي، وآخر من روى عنه. وكان رجلا صالحا تفرس فيه الشافعي وفي البويطي والمزني وابن عبد الحكم العلم فوافق ذلك ما وقع في نفس الأمر. ومن شعر الربيع هذا:

صبرا جميلا ما أسرع الفرجا ... من صدق الله في الأمور نجا

من خشي الله لم ينله أذى ... ومن رجا الله كان حيث رجا

فأما الربيع بن سليمان بن داود الجيزي فإنه روى عن الشافعي أيضا. وقد مات في سنة ست وخمسين ومائتين والله أعلم.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.