فيها دخل المنصور بلاد الشام وزار بيت المقدس وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفا وولاه بلاد إفريقية، وأمره بقتال الخوارج، وأنفق على هذا الجيش نحوا من ثلاث وستين ألف درهم، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم. ونواب البلاد والأقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى البصرة فعليها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وفيها توفى أبو أيوب الكاتب وأخوه خالد، وأمر المنصور ببني أخيه أن تقطع أيديهم وأرجلهم ثم تضرب بعد ذلك أعناقهم ففعل ذلك بهم. وفيها توفى:
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة
وهو أشعب بن جبير أبو العلاء، ويقال أبو إسحاق المديني، ويقال له أبو حميدة. وكان أبوه مولى لآل الزبير، قتله المختار، وهو خال الواقدي. روى عن عبد الله بن جعفر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين» . وأبان بن عثمان، وسالم وعكرمة، وكان ظريفا ماجنا يحبه أهل زمانه لخلاعته وطمعه، وكان حميد الغناء، وقد وفد على الوليد بن يزيد دمشق فترجمه ابن عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياء مضحكة، وأسند عنه حديثين. وروي عنه أنه سئل يوما أن يحدث فقال:
حدثني عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «خصلتان من عمل بهما دخل الجنة» ثم سكت فقيل له: وما هما؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة ونسيت أنا الأخرى. وكان سالم بن عبد الله ابن عمر يستخفه ويستحليه ويضحك منه ويأخذه معه إلى الغابة، وكذلك كان غيره من أكابر الناس. وقال الشافعي: عبث الولدان يوما بأشعب فقال لهم: إن هاهنا أناسا يفرقون الجوز- ليطردهم
عنه- فتسارع الصبيان إلى ذلك، فلما رآهم مسرعين قال: لعله حق فتبعهم. وقال له رجل: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفت عروس بالمدينة إلا رجوت أن تزف إلي فأكسح داري وأنظف بابي وأكنس بيتي. واجتاز يوما برجل يصنع طبقا من قش فقال له: زد فيه طورا أو طورين لعله أن يهدى يوما لنا فيه هدية. وروى ابن عساكر أن أشعب غنى يوما لسالم بن عبد الله بن عمر قول بعض الشعراء:
مضين بها والبدر يشبه وجهها ... مطهرة الأثواب والدين وافر
لها حسب زاك وعرض مهذب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر
من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر
فقال له سالم: أحسنت فزدنا. فغناه:
ألمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا
فقلت أعطار ثوى في رحالنا ... وما علمت ليلى سوى ريحها عطرا
فقال له: أحسنت ولولا أن يتحدث الناس لأجزلت لك الجائزة، وإنك من الأمر لبمكان.
وفيها توفي جعفر بن برقان، والحكم بن أبان، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقرة بن خالد، وأبو عمرو بن العلاء أحد أئمة القراء، واسمه كنيته، وقيل اسمه ريان والصحيح الأول.
وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري، وقيل غير ذلك في نسبه، كان علامة زمانه في الفقه والنحو وعلم القراءات، وكان من كبار العلماء العاملين، يقال إنه كتب ملء بيت من كلام العرب، ثم تزهد فأحرق ذلك كله، ثم راجع الأمر الأول فلم يكن عنده إلا ما كان يحفظه من كلام العرب، وكان قد لقي خلقا كثيرا من أعراب الجاهلية، كان مقدما أيام الحسن البصري ومن بعده. ومن اختياراته في العربية قوله في تفسيره الغرة في الجنين: إنها لا يقبل فيها إلا أبيض غلاما كان أو جارية. فهم ذلك من قوله عليه السلام:
«غرة عبد أو أمة» ولو أريد أي عبد كان أو جارية لما قيده بالغرة، وإنما الغرة البياض. قال ابن خلكان: وهذا غريب ولا أعلم هل يوافقه قول أحد من الأئمة المجتهدين أم لا. وذكر عنه أنه كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن وأنه كان يشتري له كل يوم كوزا جديدا وريحانا طريا، وقد صحبه الأصمعي نحوا من عشر سنين.
كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في سنة ست وخمسين، وقيل تسع وخمسين فالله أعلم. وقد قارب التسعين، وقيل إنه جاوزها فالله أعلم، وقبره بالشام وقيل بالكوفة فالله أعلم.
[وقد روى ابن عساكر في ترجمة صالح بن علي بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن جده عبد الله]
[ابن عباس مرفوعا «لأن يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جر وكلب خير له من أن يربي ولدا لصلبه» . وهذا منكر جدا وفي إسناده نظر. ذكره من طريق تمام عن خيثمة بن سليمان عن محمد ابن عوف الحمصي عن أبى المغيرة عبد الله بن السمط عن صالح به، وعبد الله بن السمط هذا لا أعرفه، وقد ذكره شيخنا الحافظ الذهبي في كتابه الميزان وقال: روى عن صالح بن علي حديثا موضوعا] [1]
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
