الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
3

ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة

الجزء العاشر 6 عنصر صفحة 5
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة ص 5

فيها كان مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهذه ترجمته هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو العباس الأموي الدمشقي، بويع له بالخلافة بعد عمه هشام في السنة الخالية بعهد من أبيه كما قدمنا. وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي، وكان مولده سنة تسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل سبع وثمانين، وقتل يوم الخميس لليلتين بقيتا في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، ووقعت بسبب ذلك فتنة عظيمة بين الناس بسبب قتله، ومع ذلك إنما قتل لفسقه، وقيل وزندقته. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا بن عياش حدثني الأوزاعي وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: ولد لأخي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم غلام فسموه الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سميتموه باسم فراعينكم، ليكونن: في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، لهو أشد فسادا لهذه الأمة من فرعون لقومه» . قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه الوليد بن مسلم ومعقل بن زياد ومحمد بن كثير وبشر بن بكر عن الأوزاعي فلم يذكروا عمر في إسناده وأرسلوه، ولم يذكر ابن كثير سعيد بن المسيب، ثم ساق طرقه هذه كلها بأسانيدها وألفاظها. وحكى عن البيهقي أنه قال: هو مرسل حسن، ثم ساق من طريق محمد عن محمد بن عمر بن عطاء عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: من هذا يا أم سلمة؟ قالت: هذا الوليد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

قد اتخذتم الوليد حنانا (حسانا) غيروا اسمه، فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد» . وروى ابن عساكر من حديث عبد الله بن محمد بن مسلم ثنا محمد بن غالب الأنطاكي ثنا محمد بن سليمان بن أبي داود ثنا صدقة عن هشام بن الغاز عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة ابن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال هذا الأمر قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية» .

صفة مقتله وزوال دولته ص 5

كان هذا الرجل مجاهرا بالفواحش مصرا عليها، منتهكا محارم الله عز وجل، لا يتحاشى من معصية. وربما اتهمه بعضهم بالزندقة والانحلال من الدين، فالله أعلم، لكن الذي يظهر أنه كان عاصيا شاعرا ما جنا متعاطيا للمعاصي، لا يتحاشاها من أحد، ولا يستحي من أحد، قبل أن يلي

الخلافة وبعد أن ولي، وقد روي أن أخاه سليمان كان من جملة من سعى في قتله، قال: اشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا، ولقد أرادني على نفسي الفاسق. وحكى المعافى بن زكريا عن ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي أن الوليد بن يزيد نظر إلى نصرانية من حسان نساء النصارى اسمها سفري فأحبها، فبعث يراودها عن نفسها فأبت عليه، فألح عليها وعشقها فلم تطاوعه، فاتفق اجتماع النصارى في بعض كنائسهم، لعيد لهم، فذهب الوليد إلى بستان هناك فتنكر وأظهر أنه مصاب، فخرج النساء من الكنيسة إلى ذلك البستان، فرأيناه فأحدقن به، فجعل يكلم سفيرى ويحادثها وتضاحكه ولا تعرفه، حتى اشتفى من النظر إليها، فلما انصرفت قيل لها: ويحك أتدرين من هذا الرجل؟ فقالت: لا! فقيل لها هو الوليد. فلما تحققت ذلك حنت عليه بعد ذلك وكانت عليه أحرص منه عليها قبل أن تحن عليه. فقال الوليد في ذلك أبياتا:

أضحك فؤادك يا وليد عميدا ... صبا قديما للحسان صيودا

في حب واضحة العوارض طفلة ... برزت لنا نحو الكنيسة عيدا

ما زلت أرمقها بعيني وامق ... حتى بصرت بها تقبل عودا

عود الصليب فويح نفسي من رأى ... منكم صليبا مثله معبودا

فسألت ربي أن أكون مكانه ... وأكون في لهب الجحيم وقودا

وقال فيها أيضا لما ظهر أمره وعلم بحاله الناس. وقيل إن هذا وقع قبل أن يلي الخلافة:

ألا حبذا سفرى وإن قيل إنني ... كلفت بنصرانية تشرب الخمرا

يهون علينا أن نظل نهارنا ... الى الليل لا ظهرا نصلي ولا عصرا

قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار النهرواني بعد إيراده هذه الأشياء: للوليد في نحو هذا من الخلاعة والمجون وسخافة الدين ما يطول ذكره، وقد ناقضناه في أشياء من منظوم شعره المتضمن ركيك ضلاله وكفره. وروى ابن عساكر بسنده أن الوليد سمع بخمار صلف بالحيرة فقصده حتى شرب منه ثلاثة أرطال من الخمر، وهو راكب على فرسه، ومعه اثنان من أصحابه، فلما انصرف أمر للخمار بخمسمائة دينار. وقال القاضي أبو الفرج: أخبار الوليد كثيرة قد جمعها الأخباريون مجموعة ومفردة، وقد جمعت شيئا من سيرته وأخباره، ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من جرأته وسفاهته وحمقه وهزله ومجونه وسخافة دينه، وما صرح به من الإلحاد في القرآن العزيز، والكفر بمن أنزله وأنزل عليه، وقد عارضت شعره السخيف بشعر حصيف، وباطله بحق نبيه شريف، وترجيت رضاء الله عز وجل واستيجاب مغفرته.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: ثنا سليمان بن أبي شيخ ثنا صالح بن سليمان، قال: أراد الوليد

ابن يزيد الحجاج وقال: أشرب فوق ظهر الكعبة الخمر، فهموا أن يفتكوا به إذا خرج، فجاءوا إلى خالد ابن عبد الله القسري فسألوه أن يكون معهم فأبى، فقالوا له: فاكتم علينا، فقال: أما هذا فنعم، فجاء إلى الوليد فقال: لا تخرج فانى أخاف عليكم، فقال: ومن هؤلاء الذين تخافهم علي؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: إن لم تخبرني بهم بعثت بك إلى يوسف بن عمر، قال: وإن بعثت بى إلى يوسف ابن عمر، فبعثه إلى يوسف فعاقبه حتى قتله. وذكر ابن جرير أنه لما امتنع أن يعلمه بهم سجنه ثم سلمه إلى يوسف بن عمر يستخلص منه أموال العراق فقتله، وقد قيل إن يوسف لما وفد إلى الوليد اشترى منه خالد بن عبد الله القسري بخمسين ألف ألف يخلصها منه، فما زال يعاقبه ويستخلص منه حتى قتله، فغضبت أهل اليمن من قتله، وخرجوا على الوليد.

قال الزبير بن بكار: حدثنا مصعب بن عبد الله قال سمعت أبي يقول: كنت عند المهدي فذكر الوليد بن يزيد فقال رجل في المجلس: كان زنديقا، فقال المهدي: خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق. وقال أحمد بن عمير [1] بن حوصاء الدمشقي: ثنا عبد الرحمن بن الحسن ثنا الوليد ابن مسلم ثنا حصين بن الوليد عن الأزهري بن الوليد قال: سمعت أم الدرداء تقول: إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلوما لم يزل طاعة مستخف بها ودم مسفوك على وجه الأرض بغير حق. قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري:

ذكر قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص للوليد بن يزيد وكيف قتله ص 7

قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته وفسقه وما ذكر عن تهاونه بالصلوات واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته وبعدها. فإنه لم يزدد في الخلافة إلا شرا ولهوا ولذة وركوبا للصيد وشرب المسكر ومنادمة الفساق، فما زادته الخلافة على ما كان قبلها إلا تماديا وغرورا، فثقل ذلك على الأمراء والرعية والجند، وكرهوه كراهة شديدة، وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه، إفساده على نفسه بني عميه هشام والوليد بن عبد الملك مع إفساده اليمانية، وهي أعظم جند خراسان، وذلك أنه لما قتل خالد بن عبد الله القسري وسلمه إلى غريمه يوسف بن عمر الذي هو نائب العراق إذ ذاك، فلم يزل يعاقبه حتى هلك، انقلبوا عليه وتنكروا له وساءهم قتله كما سنذكره في ترجمته. ثم روى ابن جرير بسنده أن الوليد بن يزيد ضرب ابن عمه سليمان بن هشام مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان فحبسه بها، فلم يزل هناك حتى قتل الوليد، وأخذ جارية كانت لآل عمه الوليد بن عبد الملك، فكلمه فيها عمر بن الوليد فقال: لا أردها، فقال: إذا تكثر الصواهل حول عسكرك. وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وبايع لولديه الحكم وعثمان، وكانا دون

البلوغ، فشق ذلك على الناس أيضا ونصحوه فلم ينتصح، ونهوه فلم يرتدع ولم يقبل.

قال المدائني في روايته: ثقل ذلك على الناس ورماه بنو هاشم وبنو الوليد بالكفر والزندقة وغشيان أمهات أولاد أبيه، وباللواط وغيره، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة على كل جامعة اسم رجل من بنى هاشم ليقتله بها، ورموه بالزندقة، وكان أشدهم فيه قولا يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان الناس إلى قوله أميل، لأنه أظهر النسك والتواضع، ويقول ما يسعنا الرضا بالوليد حتى حمل الناس على الفتك به، قالوا: وانتدب للقيام عليه جماعة من قضاعة واليمانية وخلق من أعيان الأمراء وآل الوليد بن عبد الملك، وكان القائم بأعباء ذلك كله والداعي إليه يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وهو من سادات بني أمية، وكان ينسب إلى الصلاح والدين والورع، فبايعه الناس على ذلك، وقد نهاه أخوه العباس بن الوليد فلم يقبل، فقال: والله لولا أنى أخاف عليك لقيدتك وأرسلتك إليه، واتفق خروج الناس من دمشق من وباء وقع بها، فكان ممن خرج الوليد بن يزيد أمير المؤمنين في طائفة من أصحابه نحو المائتين، إلى ناحية مشارف دمشق، فانتظم إلى يزيد بن الوليد أمره وجعل أخوه العباس ينهاه عن ذلك أشد النهي، فلا يقبل، فقال العباس في ذلك:

إني أعيذكم بالله من فتن ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع

إن البرية قد ملت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا

لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذباب إذا ما ألحمت رتعوا

لا تبقرن بأيديكم بطونكم ... فثم لا حسرة تغني ولا جزع

فلما استوثق ليزيد بن الوليد أمره، وبايعه من بايعه من الناس، قصد دمشق فدخلها في غيبة الوليد فبايعه أكثر أهلها في الليل، وبلغه أن أهل المزة قد بايعوا كبيرهم معاوية بن مصاد، فمضى إليه يزيد ماشيا في نفر من أصحابه، فأصابهم في الطريق خطر شديد، فأتوه فطرقوا بابه ليلا ثم دخلوا فكلمه يزيد في ذلك فبايعه معاوية بن مصاد، ثم رجع يزيد من ليلته إلى دمشق على طريق القناة وهو على حمار أسود، فحلف أصحابه أنه لا يدخل دمشق إلا في السلاح، فلبس سلاحا من تحت ثيابه فدخلها، وكان الوليد قد استناب على دمشق في غيبته عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي، وعلى شرطتها أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي، فلما كان ليلة الجمعة اجتمع أصحاب يزيد بين العشائين عند باب الفراديس، فلما أذن العشاء الآخرة دخلوا المسجد، فلما لم يبق في المسجد غيرهم بعثوا إلى يزيد بن الوليد فجاءهم فقصدوا باب المقصورة ففتح لهم خادم، فدخلوا فوجدوا أبا العاج وهو سكران، فأخذوا خزائن بيت المال وتسلموا الحواصل، وتقووا بالأسلحة، وأمر يزيد بإغلاق أبواب البلد، وأن لا يفتح إلا لمن يعرف، فلما أصبح الناس قدم أهل الحواضر من كل جانب

فدخلوا من سائر أبواب البلد، كل أهل محلة من الباب الذي يليهم، فكثرت الجيوش حول يزيد ابن الوليد بن عبد الملك في نصرته، وكلهم قد بايعه بالخلافة. وقد قال فيه بعض الشعراء في ذلك: -

فجاءتهم أنصارهم حين أصبحوا ... سكاسكها أهل البيوت الصنادد

وكلب فجاءوهم بخيل وعدة ... من البيض والأبدان ثم السواعد

فأكرم بها أحياء أنصار سنة ... هم منعوا حرماتها كل جاحد

وجاءتهم شيبان والأزد شرعا ... وعبس ولخم بين حام وذائد

وغسان والحيان قيس وتغلب ... وأحجم عنها كل وان وزاهد

فما أصبحوا إلا وهم أهل ملكها ... قد استوثقوا من كل عات ومارد

وبعث يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس إلى قطنا ليأتوه بعبد الملك بن محمد ابن الحجاج نائب دمشق وله الأمان، وكان قد تحصن هناك، فدخلوه عليه فوجدوا عنده خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فلما مروا بالمزة قال أصحاب ابن مصاد: خذ هذا المال فهو خير من يزيد بن الوليد، فقال: لا والله لا تحدث العرب أني أول من خان، ثم أتوا به يزيد بن الوليد فاستخدم من ذلك المال جندا للقتال قريبا من ألفى فارس، وبعث به مع أخيه عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك خلف الوليد بن يزيد ليأتوا به، وركب بعض موالي الوليد فرسا سابقا فساق به حتى انتهى إلى مولاه من الليل، وقد نفق الفرس من السوق، فأخبره الخبر فلم يصدقه وأمر بضربه، ثم تواترت عليه الأخبار فأشار عليه بعض أصحابه أن يتحول من منزله ذاك إلى حمص فإنها حصينة. وقال الأبرش سعيد بن الوليد الكلبي: انزل على قومي بتدمر، فأبى أن يقبل شيئا من ذلك، بل ركب بمن معه، وهو في مائتي فارس، وقصد أصحاب يزيد فالتقوا بثقله في أثناء الطريق فأخذوه، وجاء الوليد فنزل حصن البخراء الذي كان للنعمان بن بشير، وجاءه رسول العباس بن الوليد إني آتيك- وكان من أنصاره- فأمر الوليد بإبراز سريره فجلس عليه وقال. أعلي يتوثب الرجال وأنا أثب على الأسد وأتحصر الأفاعي؟ وقدم عبد العزيز بن الوليد بمن معه، وإنما كان قد خلص معه من الألفي فارس ثمانمائة فارس، فتصافوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من أصحاب العباس جماعة حملت رءوسهم إلى الوليد، وقد كان جاء العباس بن الوليد لنصرة الوليد بن يزيد، فبعث إليه أخوه عبد العزيز فجيء به قهرا حتى بايع لأخيه يزيد بن الوليد، واجتمعوا على حرب الوليد بن يزيد، فلما رأى الناس اجتماعهم فروا من الوليد إليهم، وبقي الوليد في ذل وقل من الناس، فلجأ إلى الحصن فجاءوا إليه وأحاطوا به من كل جانب يحاصرونه، فدنا الوليد من باب الحصن فنادى ليكلمني رجل شريف، فكلمه يزيد بن عنبسة السكسكي، فقال الوليد: ألم أدفع الموت عنكم؟

ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم نساءكم؟ فقال يزيد: إنما ننقم عليك انتهاك المحارم وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله عز وجل. فقال، حسبك يا أخا السكاسك، لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل الله لي لسعة عما ذكرته. ثم قال: أما والله لئن قتلتموني لا ترتقن فتنتكم ولا يلم شعثكم ولا تجتمع كلمتكم. ورجع إلى القصر فجلس ووضع بين يديه مصحفا فنشره وأقبل يقرأ فيه وقال: يوم كيوم عثمان، واستسلم، وتسور عليه أولئك الحائط، فكان أول من نزل إليه يزيد بن عنبسة، فتقدم إليه وإلى جانبه سيف فقال: نحه عنك، فقال الوليد: لو أردت القتال به لكان غير هذا، فأخذ بيده وهو يريد أن يحبسه حتى يبعث به إلى يزيد بن الوليد، فبادره عليه عشرة من الأمراء فأقبلوا على الوليد يضربونه على رأسه ووجهه بالسيوف حتى قتلوه، ثم جروه برجله ليخرجوه، فصاحت النسوة فتركوه، واحتز أبو علاقة القضاعي رأسه، واحتاطوا على ما كان معه مما كان خرج به في وجهه ذلك، وبعثوا به إلى يزيد مع عشرة نفر، ومنهم منصور بن جمهور وروح بن مقبل وبشر مولى كنانة من بني كلب، وعبد الرحمن الملقب بوجه الفلس، فلما انتهوا إليه بشروه بقتل الوليد وسلموا عليه بالخلافة، فأطلق لكل رجل من العشرة عشرة آلاف، فقال له روح بن بشر بن مقبل: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الوليد الفاسق، فسجد شكرا لله ورجعت الجيوش إلى يزيد، فكان أول من أخذ يده للمبايعة يزيد بن عنبسة السكسكي فانتزع يده من يده وقال: اللهم إن كان هذا رضى لك فأعني عليه، وكان قد جعل لمن جاءه برأس الوليد مائة ألف درهم، فلما جيء به- وكان ذلك ليلة الجمعة وقيل يوم الأربعاء- لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة. فأمر يزيد بنصب رأسه على رمح وأن يطاف به في البلد، فقيل له إنما ينصب رأس الخارجي، فقال: والله لأنصبنه، فشهره في البلد على رمح ثم أودعه عند رجل شهرا ثم بعث به إلى أخيه سليمان بن يزيد، فقال أخوه بعدالة: أشهد أنك كنت شروبا للخمر ما جنا فاسقا ولقد أرادنى على نفسي هذا الفاسق وأنا أخوه، لم يأنف من ذلك. وقد قيل إن رأسه لم يزل معلقا بحائط جامع دمشق الشرقي مما يلي الصحن حتى انقضت دولة بني أمية، وقيل إنما كان ذلك أثر دمه، وكان عمره يوم قتل ستا وثلاثين سنة، وقيل ثمانيا وثلاثين، وقيل إحدى وثلاثين، وقيل ثنتان وقيل خمس، وقيل ست وأربعون سنة. ومدة ولايته سنة وستة أشهر على الأشهر، وقيل ثلاثة أشهر. قال ابن جرير: كان شديد البطش طويل أصابع الرجلين، كانت تضرب له سكة الحديد في الأرض ويربط فيها خيط إلى رجله ثم يثب على الفرس فيركبها ولا يمس الفرس، فتنقلع تلك السكة من الأرض مع وثبته

خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ص 10

وهو الملقب بالناقص لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده الوليد بن يزيد في أعطياتهم،

وهي عشرة عشرة، ورده إياهم إلى ما كانوا عليه في زمن هشام، ويقال إن أول من لقبه بذلك مروان بن محمد، بويع له بالخلافة بعد مقتل الوليد بن يزيد، وذلك ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من هذه السنة- حتى سنة ست وعشرين ومائة- وكان فيه صلاح وورع قبل ذلك، فأول ما عمل انتقاصه من أرزاق الجند ما كان الوليد زادهم، وذلك في كل سنة عشرة عشرة، فسمي الناقص لذلك، ويقال في المثل الأشج والناقص أعدلا خلفاء بني مروان- يعني عمر بن عبد العزيز وهذا- ولكن لم تطل أيامه، فإنه توفي من آخر هذه السنة، واضطربت عليه الأمور، وانتشرت الفتن واختلفت كلمة بني مروان فنهض سليمان بن هشام، وكان معتقلا في سجن الوليد بعمان فاستحوز على أموالها وحواصلها، وأقبل إلى دمشق فجعل يلعن الوليد ويعيبه ويرميه بالكفر، فأكرمه يزيد ورد عليه أمواله التي كان أخذها من الوليد، وتزوج يزيد أخت سليمان، وهي أم هشام بنت هشام، ونهض أهل حمص إلى دار العباس بن الوليد التي عندهم فهدموها، وحبسوا أهله وبنيه، وهرب هو من حمص فلحق بيزيد بن الوليد إلى دمشق، وأظهر أهل حمص الأخذ بدم الوليد بن يزيد، وأغلقوا أبواب البلد، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، وكاتبوا الأجناد في طلب الأخذ بالثأر، فأجابهم إلى ذلك طائفة كبيرة منهم، على أن يكون الحكم بن الوليد بن يزيد الذي أخذ له العهد هو الخليفة، وخلعوا نائبهم، وهو مروان بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ثم قتلوه وقتلوا ابنه وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين، فلما انتهى خبرهم إلى يزيد بن الوليد كتب إليهم كتابا مع يعقوب بن هانئ، ومضمون الكتاب أنه يدعو إلى أن يكون الأمر شورى، فقال عمرو ابن قيس: فإذا كان الأمر كذلك فقد رضينا بولي عهدنا الحكم بن الوليد، فأخذ يعقوب بلحيته وقال: ويحك! لو كان هذا الذي تدعو إليه يتيما تحت حجرك لم يحل لك أن تدفع إليه ما له، فكيف أمر الأمة، فوثب أهل حمص على رسول يزيد بن الوليد فطردوهم عنهم وأخرجوهم من بين أظهرهم.

وقال لهم أبو محمد السفياني: لو قدمت دمشق لم يختلف علي منهم اثنان، فركبوا معه وساروا نحو دمشق وقد أمروا عليهم السفياني، فتلقاهم سليمان بن هشام في جيش كثيف قد جهزهم معه يزيد، وجهز أيضا عبد العزيز بن الوليد في ثلاثة آلاف يكونون عند ثنية العقاب، وجهز هشام بن مصاد المزي في ألف وخمسمائة ليكونوا على عقبة السلمية، فخرج أهل حمص فساروا وتركوا جيش سليمان ابن هشام ذات اليسار وتعدوه، فلما سمع بهم سليمان ساق في طلبهم فلحقهم عند السليمانية فجعلوا الزيتون عن أيمانهم والجبل عن شمائلهم والحيات من خلفهم، ولم يبق تخلص إليهم إلا من جهة واحدة، فاقتتلوا هنالك في قبالة الحر قتالا شديدا، فقتل طائفة كثيرة من الفريقين، فبينما هم كذلك إذ جاء عبد العزيز بن الوليد بمن معه فحمل على أهل حمص فاخترق جيشهم حتى ركب التل الذي

في وسطهم، وكانت الهزيمة، فهرب أهل حمص وتفرقوا، فاتبعهم الناس يقتلون ويأسرون، ثم تنادوا بالكف عنهم على أن يبايعوا ليزيد بن الوليد، وأسروا منهم جماعة، منهم أبو محمد السفياني ويزيد ابن خالد بن معاوية، ثم ارتحل سليمان وعبد العزيز فنزلا عذراء ومعهم الجيوش وأشراف الناس، وأشراف أهل حمص من الأسارى ومن استجاب من غير أسر، بعد ما قتل منهم ثلاثمائة نفس، فدخلوا بهم على يزيد بن الوليد، فأقبل عليهم وأحسن إليهم وصفح عنهم، وأطلق الأعطيات لهم، لا سيما لأشرافهم، وولى عليهم الذي اختاروه وهو معاوية بن يزيد بن الحصين، وطابت عليه أنفسهم، وأقاموا عنده في دمشق سامعين مطيعين له.

وفيها بايع أهل فلسطين يزيد بن سليمان بن عبد الملك، وذلك أن بني سليمان كانت لهم أملاك هناك، وكانوا يتركونها يبذلونها لهم، وكان أهل فلسطين يحبون مجاورتهم، فلما قتل الوليد بن يزيد كتب سعيد بن روح بن زنباع- وكان رئيس تلك الناحية- إلى يزيد بن سليمان بن عبد الملك يدعوهم إلى المبايعة له، فأجابوه إلى ذلك. فلما بلغ أهل الأردن خبرهم بايعوا أيضا محمد بن عبد الملك ابن مروان، وأمروه عليهم، فلما انتهى خبرهم إلى يزيد بن الوليد أمير المؤمنين بعث إليهم الجيوش مع سليمان بن هشام في الدماشقة وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني، فصالحهم أهل الأردن أولا ورجعوا إلى الطاعة، وكذلك أهل فلسطين. وكتب يزيد بن الوليد ولاية الامرة بالرملة وتلك النواحي إلى أخيه إبراهيم بن الوليد، واستقرت الممالك هنالك، وقد خطب أمير المؤمنين يزيد ابن الوليد الناس بدمشق فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

أما بعد أيها الناس، أما والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي إني لظلوم لنفسي، إن لم يرحمني ربى فانى هالك، ولكني خرجت غضبا لله ولرسوله ولدينه، وداعيا إلى الله وكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لما هدمت معالم الدين، وأطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة، والراكب كل بدعة، مع أنه والله ما كان مصدقا بالكتاب، ولا مؤمنا بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفوي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، وسعيت فيه حتى أراح الله منه العباد والبلاد، بحول الله وقوته لا بحولي ولا بقوتي.

أيها الناس! إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا ولا أكثر مالا ولا أعطيه زوجة، ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد ثغر ذلك البلد، وخصاصة أهله بما يغنيهم، فان فضل عن ذلك فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل

جزيتكم ما يجليهم عن بلادهم ويقطع سبلهم، وإن لكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن أنا وفيت لكم بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أوف لكم فلكم أن تخلعونى وإلا أن تستتيبونى، فان ثبت قبلتم مني، وإن علمتم أحدا من أهل الصلاح والدين يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم فأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس! إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة طاعة الله فمن أطاع الله فأطيعوه ما أطاع الله، فإذا عصى أو دعا إلى معصية فهو أهل أن يعصى ولا يطاع، بل يقتل ويهان، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن إمرة العراق لما ظهر منه من الحنق على اليمانية، وهم قوم خالد بن عبد الله القسري، حتى قتل الوليد بن يزيد، وكان قد سجن غالب من ببلاده منهم، وجعل الأرصاد على الثغور خوفا من جند الخليفة، فعزله عنها أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، وولى عليها منصور بن جمهور مع بلاد السند وسجستان وخراسان، وقد كان منصور بن جمهور أعرابيا جلفا، وكان يدين بمذهب الغيلانية القدرية، ولكن كانت له آثار حسنة، وعناء كثير في مقتل الوليد بن يزيد، فحظي بذلك عند يزيد بن الوليد، ويقال إنه لما فرغ الناس من الوليد ذهب من فوره إلى العراق فأخذ البيعة من أهلها إلى يزيد، وقرر بالأقاليم نوابا وعمالا وكر راجعا إلى دمشق في آخر رمضان، فلذلك ولاه الخليفة ما ولاه والله أعلم.

وأما يوسف بن عمر فإنه فر من العراق فلحق ببلاد البلقاء، فبعث إليه أمير المؤمنين يزيد فأحضره إليه، فلما وقف بين يديه أخذ بلحيته- وكان كبير اللحية جدا، ربما كانت تجاوز سرته وكان قصير القامة- فوبخه وأنبه ثم سجنه وأمر باستخلاص الحقوق منه. ولما انتهى منصور بن جمهور إلى العراق قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين إليهم في كيفية مقتل الوليد، وأن الله أخذه أخذ عزيز مقتدر، وأنه قد ولى عليهم منصور بن جمهور لما يعلم من شجاعته ومعرفته بالحرب، فبايع أهل العراق ليزيد بن الوليد، وكذلك أهل السند وسجستان.

وأما نصر بن سيار نائب خراسان فإنه امتنع من السمع والطاعة لمنصور بن جمهور، وأبى أن ينقاد لأوامره، وقد كان نصر هذا جهز هدايا كبيرة للوليد بن يزيد فاستمرت له. وفي هذه السنة كتب مروان الملقب بالحمار كتابا إلى عمر بن يزيد أخي الوليد بن يزيد، يحثه على القيام بطلب دم أخيه الوليد، وكان مروان يومئذ أميرا على أذربيجان وإرمينية، ثم إن يزيد بن الوليد عزل منصور ابن جمهور عن ولاية العراق وولى عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وقال له: إن أهل العراق يحبون أباك فقد وليتكها، وذلك في شوال، وكتب له إلى أمراء الشام الذين بالعراق يوصيهم به

خشية أن يمتنع منصور بن جمهور من تسليم البلاد إليه، فسلم إليه وسمع وأطاع وسلم. وكتب الخليفة إلى نصر بن سيار باستمراره بولاية خراسان مستقلا بها، فخرج عليه رجل يقال له الكرماني، لأنه ولد بكرمان، وهو أبو علي جديع بن علي بن شبيب المغنى، واتبعه خلق كثير بحيث إنه كان يشهد الجمعة في نحو من ألف وخمسمائة، وكان يسلم على نصر بن سيار ولا يجلس عنده، فتحير نصر بن سيار وأمراؤه فيما يصنع به، فاتفق رأيهم بعد جهد على سجنه، فسجن قريبا من شهر، ثم أطلقه فاجتمع إليه ناس كثير، وجم غفير، وركبوا معه، فبعث إليهم نصر من قاتلهم فقتلهم وقهرهم وكسرهم واستخف جماعات من أهل خراسان بنصر بن سيار وتلاشوا أمره وحرمته، وألحوا عليه في أعطياتهم وأسمعوه غليظ ما يكره وهو على المنبر، بسفارة سلم بن أحوز أدى إليه ذلك، وخرجت الباعة من المسجد الجامع وهو يخطب، وانفض كثير من الناس عنه، فقال لهم نصر فيما قال: والله لقد نشرتكم وطويتكم وطويتكم ونشرتكم فما عندي عشرة منكم على دين، فاتقوا الله فو الله لئن اختلف فيكم سفيان ليتمنين الرجل منكم أن ينخلع من أهله وماله وولده، ولم يكن رآها، ثم تمثل بقول النابغة:

فإن يغلب شقاؤكم عليكم ... فإني في صلاحكم سعيت

وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن الورد بن المغيرة الجعد: -

أبيت أرعى النجوم مرتفقا ... إذا استقلت نحو أوائلها

من فتنة أصبحت مجللة ... وقد عم أهل الصلاة شاملها

من بخراسان والعراق ومن ... بالشام كل شجاه شاغلها

يمشى السفيه الذي يعنف ... بالجهل سواء فيها وعاقلها

فالناس منها في لون مظلمة ... دهماء ملتجة غياطلها

والناس في كربة يكاد لها ... تنبذ أولادها حواملها

يغدون منها في كل مبهمة ... عمياء تمنى لهم غوائلها

لا ينظر الناس من عواقبها ... إلا التي لا يبين قائلها

كرغوة البكر أو كصيحة ... حبلى طرقت حولها قوابلها

فجاء فينا تزري بوجهته ... فيها خطوب حمر زلازلها

وفي هذه السنة أخذ الخليفة البيعة من الأمراء وغيرهم بولاية العهد من بعده لأخيه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ثم من بعد إبراهيم لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان، وذلك بسبب مرضه الذي مات فيه. وكان ذلك في شهر الحجة منها، وقد حرضه على ذلك جماعة من الأمراء والأكابر والوزراء. وفيها عزل يزيد عن إمرة الحجاز يوسف بن محمد الثقفي وولى عليها

عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، فقدمها في أواخر ذي القعدة منها، وفيها أظهر مروان الحمار الخلاف ليزيد بن الوليد، وخرج من بلاد إرمينية يظهر أنه يطلب بدم الوليد بن يزيد، فلما وصل إلى حران أظهر الموافقة وبايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد. وفيها أرسل إبراهيم بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس أبا هاشم بكر بن ماهان إلى أرض خراسان، فاجتمع بجماعة من أهل خراسان بمرو، فقرأ عليهم كتاب إبراهيم بن محمد الامام إليه وإليهم، ووصيته، فتلقوا ذلك بالقبول، وأرسلوا معه ما كان عندهم من النفقات. وفي سلخ ذي القعدة، وقيل في سلخ ذي الحجة، وقيل لعشر مضين منه، وقيل بعد الأضحى منها كان وفاة أمير المؤمنين.

يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان. وهذه ترجمته رحمه الله تعالى ص 15

هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاصي بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي، أبو خالد الأموي، أمير المؤمنين، بويع له بالخلافة أول ما بويع بها في قرية المزة، من قرى دمشق، ثم دخل دمشق فغلب عليها، ثم أرسل الجيوش إلى ابن عمه الوليد بن يزيد فقتله، واستحوذ على الخلافة في أواخر جمادى الآخرة من هذه السنة، وكان يلقب بالناقص لنقصه الناس العشرات التي زادهم إياها الوليد بن يزيد، وقيل إنما سماه بذلك مروان الحمار، وكان يقول: الناقص ابن اليد، وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى، كسروية وقال ابن جرير: وأمه شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو قائل:

أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان

وإنما قال ذلك لأن جده فيروز، وأم أمه بنت قيصر، وأمه شيرويه وهي بنت خاقان ملك الترك، وكانت قد سباها قتيبة بن مسلم، هي وأخت لها فبعثهما إلى الحجاج، فأرسل بهذه إلى الوليد واستبقى عنده الأخرى، فولدت هذه الوليد بن يزيد الناقص هذا، وهذه أخذها الحجاج فكانت عنده بالعراق، وكان مولده في سنة تسعين، وقيل في سنة ست وتسعين، وقد روى عنه الأوزاعي مسألة السلم. وقد ذكرنا كيفية ولايته فيما سلف في هذه السنة، وأنه كان عادلا دينا محبا للخير مبغضا للشر. قاصدا للحق. وقد خرج يوم عيد الفطر من هذه السنة إلى صلاة العيد بين صفين من الخيالة والسيوف مسللة عن يمينه وشماله، ورجع من المصلى إلى الخضراء كذلك، كان رجلا صالحا، يقال في المثل الأشج والناقص أعدلا بني مروان، والمراد عمر بن عبد العزيز وهذا. وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني إبراهيم بن محمد المروزي عن أبي عثمان الليثي قال قال يزيد بن الوليد الناقص:

يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإنه داعية الزنا. وقال ابن عبد الحكيم

عن الشافعي: لما ولي يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الذي يقال له الناقص دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب غيلان. قاله ابن عساكر. قال: ولعله قرب أصحاب غيلان، لأن غيلان قتله هشام بن عبد الملك. وقال محمد بن المبارك: آخر ما تكلم به يزيد بن الوليد الناقص وا حزناه وا شقاآه. وكان نقش خاتمه العظمة لله. وكانت وفاته بالخضراء من طاعون أصابه، وذلك يوم السبت لسبع مضين من ذي الحجة، وقيل يوم الأضحى منه، وقيل بعده بأيام، وقيل لعشر بقين منه، وقيل في سلخه، وقيل في سلخ ذي القعدة من هذه السنة. وأكثر ما قيل في عمره ست وأربعون سنة، وقيل ثلاثون سنة، وقيل غير ذلك فالله أعلم. وكانت مدة ولايته ستة أشهر على الأشهر، وقيل خمسة أشهر وأيام. وصلى عليه أخوه إبراهيم بن الوليد، وهو ولى العهد من بعده رحمه الله. وذكر سعيد بن كثير بن عفير أنه دفن بين باب الجابية وباب الصغير، وقيل إنه دفن بباب الفراديس، وكان أسمر نحيفا حسن الجسم حسن الوجه. وقال على بن محمد المديني: كان يزيد أسمر طويلا صغير الرأس بوجهه خال، وكان جميلا، في فمه بعض السعة وليس بالمفرط. وحج بالناس فيها عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو نائب الحجاز، وأخوه عبد الله نائب العراق، ونصر بن سيار على نيابة خراسان، والله سبحانه أعلم. وممن توفي في هذه السنة من الأعيان:

خالد بن عبد الله بن يزيد ص 16

ابن أسد بن كرز بن عامر بن عبقري، أبو الهيثم البجلي القسري الدمشقي، أمير مكة والحجاز للوليد ثم لسليمان، وأمير العراقين لهشام خمس عشرة سنة. قال ابن عساكر: كانت داره بدمشق في مربعة القز وتعرف اليوم بدار الشريف اليزيدي، وإليه ينسب الحمام الذي داخل باب توما، روى عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أسد [1] أتحب الجنة؟ قال: نعم! قال:

فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك» . رواه أبو يعلى عن عثمان بن أبي شيبة عن هيثم عن سيار من أبي الحكم أنه سمعه على المنبر يقول ذلك. وممن روى عنه إسماعيل بن أوسط وإسماعيل بن أبي خالد، وحبيب بن أبي حبيب، وحميد الطويل. وروى أنه روى عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في تكفير المرض الذنوب. وكانت أمه نصرانية، وذكره أبو بكر بن عياش في الأشراف، فيمن أمه نصرانية.

وقال المدائني: أول ما عرف من رياسته أنه وطأ صبيا بدمشق بفرسه فحمله فأشهد طائفة من الناس أنه هو صاحبه، فإن مات فعليه ديته، وقد استنابه الوليد على الحجاز من سنة تسع وثمانين إلى أن توفى الوليد ثم سليمان، وفي سنة ست ومائة استنابه هشام على العراق إلى سنة عشرين ومائة، وسلمه إلى يوسف بن عمر الذي ولاه مكانه فعاقبه وأخذ منه أموالا ثم أطلقه، وأقام بدمشق إلى المحرم من هذه السنة فسلمه الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر يستخلص منه خمسين ألف ألف، فمات تحت

العقوبة البليغة، كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه، ثم صدره، فمات ولا يتكلم كلمة واحدة، ولا تأوه حتى خرجت روحه رحمه الله.

قال الليثي عن أبيه: خطب خالد القسري يوما فارتج عليه فقال: أيها الناس! إن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه ويتعذر عند عزوبه مطلبه، وقد يرد إلى السليط بيانه ويثيب إلى الحصر كلامه، وسيعود إلينا ما تحبون، ونعود لكم كما تريدون. وقال الأصمعي وغيره: خطب خالد القسري يوما بواسط فقال: يا أيها الناس تنافسوا في المكارم وسارعوا إلى المغانم واشتروا الحمد بالجود، ولا تكتسبوا بالمطل ذما، ولا تعتدوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما تكن لأحد منكم نعمة عند أحد لم يبلغ شكرها فالله أحسن له جزاء، وأجزل عطاء، واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعم فلا تملوها فتحول نقما، فإن أفضل المال ما كسب أجرا وأورث ذكرا، ولو رأيتم المعروف لرأيتموه رجلا حسنا جميلا يسر الناس إذا نظروا إليه، ويفوق العالمين. ولو رأيتم البخل لرأيتموه رجلا مشوها قبيحا تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار. إنه من جاد ساد، ومن بخل ذل، وأكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن عفا عن قدرة، وأفضل الناس من وصل عن قطيعة، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع عند مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو. وروى الأصمعي عن عمر ابن الهيثم أن أعرابيا قدم على خالد فأنشده قصيدة امتدحه بها يقول فيها:

إليك ابن كرز الخير أقبلت راغبا ... لتجبر مني ما وها وتبددا

إلى الماجد البهلول ذي الحلم والندى ... وأكرم خلق الله فرعا ومحتدا

إذا ما أناس قصروا بفعالهم ... نهضت فلم تلقى هنالك مفقدا

فيا لك بحرا يغمر الناس موجه ... إذا يسأل المعروف جاش وأزبدا

بلوت ابن عبد الله في كل موطن ... فألفيت خير الناس نفسا وأمجدا

فلو كان في الدنيا من الناس خالد ... لجود بمعروف لكنت مخلدا

فلا تحرمني منك ما قد رجوته ... فيصبح وجهي كالح اللون أربدا

قال: فحفظها خالد، فلما اجتمع الناس عند خالد قام الأعرابي ينشدها فابتدره إليها خالد فأنشدها قبله، وقال: أيها الشيخ إن هذا شعر قد سبقناك إليه. فنهض الشيخ فولى ذاهبا فأتبعه خالد من يسمع ما يقول فإذا هو ينشد هذه الأبيات.

ألا في سبيل الله ما كنت أرتجي ... لديه وما لاقيت من نكد الجهد

دخلت على بحر يجود بماله ... ويعطي كثير المال في طلب الحمد

فخالفني الجد المشوم لشقوتي ... وقاربني نحسي وفارقني سعدي

فلو كان لي رزق لديه لنلته ... ولكنه أمر من الواحد الفرد

فرده إلى خالد وأعلمه بما كان يقول فأمر له بعشرة آلاف درهم. وقال الأصمعي: سأل أعرابي خالدا القسري أن يملأ له جرابه دقيقا فأمر بمثله له دراهم، فقيل للأعرابي حين خرج: ما فعل معك؟ فقال: سألته بما أشتهي فأمر لي بما يشتهي هو. وقال بعضهم: بينما خالد يسير في موكبه إذ تلقاه أعرابي فسأله أن يضرب عنقه، فقال ويحك ولم؟ أقطعت السبيل؟ أأخرجت يدا من طاعة؟

فكل ذلك يقول لا! قال: فلم؟ قال: من الفقر والفاقة. فقال: سل حاجتك، قال ثلاثين ألفا. فقال خالد: ما ربح أحد مثل ما ربحت اليوم، إني وضعت في نفسي أن يسألني مائة ألف فسأل ثلاثين فربحت سبعين. ارجعوا بنا اليوم، وأمر له بثلاثين ألفا. وكان إذا جلس يوضع [المال] بين يديه ويقول: إن هذه الأموال ودائع لا بد من تفرقتها. وسقط خاتم لجاريته رابعة يساوى ثلاثين ألفا، في بالوعة الدار، فسألت أن تؤتى بمن يخرجه، فقال: إن يدك أكرم علي من أن تلبسه بعد ما صار إلى هذا الموضع القذر، وأمر لها بخمسة آلاف دينار بدله. وقد كان لرابعة هذه من الحلي شيء عظيم، من جملة ذلك ياقوتة وجوهرة، كل واحدة بثلاثة وسبعين ألف دينار.

وقد روى البخاري في كتاب أفعال العباد، وابن أبي حاتم في كتاب السنة، وغير واحد ممن صنف في كتب السنة أن خالد بن عبد الله القسري خطب الناس في عيد أضحى فقال: أيها الناس، ضحوا يقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.

قال غير واحد من الأئمة: كان الجعد بن درهم من أهل الشام، وهو مؤدب مروان الحمار، ولهذا يقال له مروان الجعدي، فنسب إليه، وهو شيخ الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان بذاته، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وكان الجعد بن درهم قد تلقى هذا المذهب الخبيث عن رجل يقال له أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت ابن أخت لبيد ابن أعصم، عن خاله لبيد بن أعصم اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط وماشطة وجف طلعة ذكر له، وتحت راعوفة ببئر ذي اروان الذي كان ماؤها نقاعة الحناء. وقد ثبت الحديث بذلك في الصحيحين وغيرهما. وجاء في بعض الأحاديث أن الله أنزل بسبب ذلك سورتي المعوذتين.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي سمعت أبا بكر بن عياش قال: رأيت خالدا القسري حين أتي بالمغيرة وأصحابه، وقد وضع له سرير في المسجد، فجلس عليه ثم أمر برجل من أصحابه فضربت عنقه ثم قال للمغيرة: أحيه وكان المغيرة يزعم أنه يحيي الموتى فقال: والله أصلحك الله ما أحيي الموتى. قال: لتحيينه أو لأضربن عنقك. قال: والله ما أقدر على ذلك. ثم أمر

بطن قصب فأضرموا فيه نارا ثم قال للمغيرة: اعتنقه، فأبى، فعدا رجل من أصحابه فاعتنقه، قال أبو بكر: فرأيت النار تأكله وهو يشير بالسبابة. قال خالد: هذا والله أحق بالرياسة منك. ثم قتله وقتل أصحابه. وقال المدائني: أتي خالد بن عبد الله برجل تنبأ بالكوفة فقيل له ما علامة نبوتك؟ قال: قد نزل على قرآن، قال: إنا أعطيناك الكماهر، فصل لربك ولا تجاهر، ولا تطع كل كافر وفاجر. فأمر به فصلب فقال وهو يصلب: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على عود، فأنا ضامن لك ألا تعود.

وقال المبرد: أتي خالد بشاب قد وجد في دار قوم وادعى عليه السرقة، فسأله فاعترف فأمر بقطع يده فتقدمت حسناء فقالت:

أخالد قد أوطأت والله عثرة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق

أقر بما لم يجنه غير أنه ... رأى القطع أولى من فضيحة عاشق

فأمر خالد بإحضار أبيها فزوجها من ذلك الغلام وأمهرها عنه عشرة آلاف درهم. وقال الأصمعي:

دخل أعرابي على خالد فقال: إني قد مدحتك ببيتين ولست أنشدهما إلا بعشرة آلاف وخادم، فقال: نعم! فأنشأ يقول:

لزمت نعم حتى كأنك لم تكن ... سمعت من الأشياء شيئا سوى نعم

وأنكرت لا حتى كأنك لم تكن ... سمعت بها في سالف الدهر والأمم

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم وخادم يحملها. قال: ودخل عليه أعرابي فقال له: سل حاجتك فقال: مائة ألف. فقال: أكثرت حط منها. قال: أضع تسعين ألفا، فتعجب منه خالد فقال: أيها الأمير سألتك على قدرك ووضعت على قدري، فقال له: لن تغلبني أبدا، وأمر له بمائة ألف، قال:

ودخل عليه أعرابي، فقال: إني قد قلت فيك شعرا وأنا أستصغره فيك، فقال: قل فأنشأ يقول:

تعرضت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى ظننتك تلعب

فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب

فقال: سل حاجتك. قال: على خمسون ألف دينار، فقال: قد أمرت لك بها وأضعفتها لك، فأعطاه مائة ألف. قال أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوساى: دخل أعرابي على خالد القسري

فأنشده كتبت نعم ببابك فهي تدعو ... إليك الناس مسفرة النقاب

وقلت لا عليك بباب غيري ... فإنك لن تري أبدا ببابي

قال فأعطاه على كل بيت خمسين ألفا. وقد قال فيه ابن معين: كان رجل سوء يقع في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وذكر الأصمعي عن أبيه: أن خالدا حفر بئرا بمكة ادعى فضلها على زمزم، وله في رواية عنه

تفضيل الخليفة على الرسول، وهذا كفر إلا أن يريد بكلامه غير ما يبدو منه والله أعلم.

[والذي يظهر أن هذا لا يصح عنه، فإنه كان قائما في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد ابن درهم وغيره من أهل الإلحاد، وقد نسب إليه صاحب العقد أشياء لا تصح، لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت، وربما لا يفهم أحد من كلامه ما فيه من التشيع، وقد اغتر به شيخنا الذهبي فمدحه بالحفظ وغيره] [1] .

وقد ذكر ابن جرير وابن عساكر وغيرهما أن الوليد بن يزيد كان قد عزم على الحج في إمارته فمن نيته أن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، فلما بلغ ذلك جماعة من الأمراء اجتمعوا على قتله وتولية غيره من الجماعة، فحذر خالد أمير المؤمنين منهم، فسأله أن يسميهم فأبى عليه فعاقبه عقابا شديدا، ثم بعث به إلى يوسف بن عمر فعاقبه حتى مات شر قتلة وأسوئها، وذلك في محرم من هذه السنة- أعني سنة ست وعشرين ومائة- وذكره القاضي ابن خلكان في الوفيات وقال: كان متهما في دينه، وقد بنى لأمه كنيسة في داره، قال فيه بعض الشعراء وقال صاحب الأعيان كان في نسبه يهود فانتموا إلى القرب، وكان يقرب [من] شق وسطيح. قال القاضي ابن خلكان: وقد كانا ابني خالة، وعاش كل منهما ستمائة، وولدا في يوم واحد، وذلك يوم ماتت طريفة بنت الحر بعد ما تفلت في فم كل منهما وقالت: إنه سيقوم مقامي في الكهانة، ثم ماتت من يومها.

وممن توفي في هذه السنة جبلة بن سحيم ودراج أبو السمح وسعيد بن مسروق في قول، وسليمان ابن حبيب المحاربي، قاضي دمشق، وعبد الرحمن بن قاسم شيخ مالك وعبيد الله بن أبي يزيد وعمرو بن دينار. وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.