الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين
108

ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين

الجزء العاشر 3 عنصر صفحة 307
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين ص 307

فيها عاثت قبيلة يقال لها بنو نمير باليمامة فسادا فكتب الواثق إلى بغا الكبير وهو مقيم بأرض الحجاز فحاربهم فقتل منهم جماعة وأسر منهم آخرين، وهزم بقيتهم، ثم التقى مع بني تميم وهو في ألفي فارس وهم ثلاثة آلاف، فجرت بينهم حروب ثم كان الظفر له عليهم آخرا، وذلك في النصف من جمادى الآخرة. ثم عاد بعد ذلك إلى بغداد ومعهم من أعيان رءوسهم في القيود والأسر جماعة، وقد فقد من أعيانهم في الوقائع ما ينيف على ألفي رجل من بني سليم ونمير ومرة وكلاب وفزارة وثعلبة وطى وتميم وغيرهم. وفي هذه السنة أصاب الحجيج في رجوعهم عطش شديد حتى بيعت الشربة بالدنانير الكثيرة، ومات خلق كثير من العطش. وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر.

وفيها كانت وفاة الخليفة الواثق بن محمد المعتصم ص 307

ابن هارون الرشيد أبى جعفر هارون الواثق.

كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبى دؤاد الأيادي المعتزلي. توفى لست بقين من ذي الحجة، وذلك أنه قوى بالاستسقاء فأقعد في تنور قد أحمي له بحيث يمكنه الجلوس فيه ليسكن وجعه، فلان عليه بعض الشيء اليسير، فلما كان من الغد أمر بأن يحمى أكثر من العادة فأجلس فيه ثم أخرج فوضع في محفة فحمل فيها وحوله أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، فمات وهو محمول فيها، فما شعروا حتى سقط جبينه على المحفة وهو ميت، فغمض القاضي عينيه بعد سقوط جبينه، وولى غسله والصلاة عليه ودفنه في قصر الهادي، عليهما من الله ما يستحقانه. وكان أبيض اللون مشربا حمرة جميل المنظر خبيث القلب حسن الجسم سيئ الطويلة، قاتم العين اليسرى، فيها نكتة بيضاء، وكان مولده سنة ست وتسعين ومائة بطريق مكة، فمات وهو ابن ست وثلاثين سنة، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل سبعة أيام وثنتى عشرة ساعة. فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة. وقد جمع الواثق أصحاب النجوم في زمانه حين اشتدت علته، وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي ليلحقه إلى بين يدي الله، فلما جمعهم أمرهم أن ينظروا في مولده وما تقتضيه صناعة النجوم كم تدوم أيام دولته فاجتمع عنده من رءوسهم جماعة منهم الحسن بن سهل والفضل ابن إسحاق الهاشمي، وإسماعيل بن نوبخت. ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطر بلى وسند

صاحب محمد بن الهيثم، وعامة من ينظر في النجوم، فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم فأجمعوا على أنه يعيش في الخلافة دهرا طويلا، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا نظر من لم يبصر، فإنه لم يعش بعد قولهم وتقديرهم إلا عشرة أيام حتى هلك. ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله.

قال ابن جرير: وذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده، وكان أول ما غني به في ذلك المجلس أن غنته شارية جارية إبراهيم بن المهدي:

ما درى الحاملون يوم استقلوا ... نعشه للثواء أم للقاء

فليقل فيك باكياتك ما شئن ... صياحا في وقت كل مساء

قال: فبكى وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه. ثم اندفع بعضهم يغني:

ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل

فازداد بكاؤه وقال: ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى نفس، ثم ارفض ذلك المجلس. وروى الخطيب أن دعبل بن علي الشاعر لما تولى الواثق عمد إلى طومار فكتب فيه أبيات شعر ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه وقال: اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل: هذه أبيات امتدحك بها دعبل فلما فضها الواثق إذا فيها:

الحمد لله لا صبر ولا جلد ... ولا عزاء إذا أهل الهوى رقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحد ... وآخر قام لم يفرح به أحد

فمر هذا ومر الشؤم يتبعه ... وقام هذا فقام الويل والنكد

قال: فتطلبه الواثق بكل ما يقدر عليه من الطلب فلم يقدر عليه حتى مات الواثق. وروى أيضا أنه لما استخلف الواثق ابن أبي دؤاد على الصلاة في يوم العيد ورجع إليه بعد أن قضاها قال له:

كيف كان عيدكم يا أبا عبد الله؟ قال: كنا في نهار لا شمس فيه. فضحك وقال: يا أبا عبد الله أنا مؤيد بك. قال الخطيب: وكان ابن أبي دؤاد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. قال ويقال: إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبد الله ابن أبى الفتح أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة حدثني حامد بن العباس عن رجل عن المهدي أن الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن. وروى أن الواثق دخل عليه يوما مؤدبه فأكرمه إكراما كثيرا فقيل له فيء ذلك فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدنانى برحمة الله. وكتب إليه بعض الشعراء: -

جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى ... وقلت لها عفي عن الطلب النزر

فان أمير المؤمنين بكفه ... مدار رحى الأرزاق دائبة تجري

فوقع له في رقعته جذبتك نفسك عن امتهانها، ودعتك إلى صونها فخذ ما طلبته هينا. وأجزل له العطاء. ومن شعره قوله: -

هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال

ومن شعر الواثق قوله:

تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده

ستكفى من عدوك كل كيد ... إذا كاد العدو ولم تكده

وقال القاضي يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق: ما مات وفيهم فقير. ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين:

الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك

ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا

ثم أمر بالبسط فطويت ثم ألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. وقال بعضهم: لما احتضر الواثق ونحن حوله غشي عليه فقال بعضنا لبعض: انظروا هل قضى؟ قال: فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نفسه، فأفاق فلحظ إلي بعينه فرجعت القهقرى خوفا منه، فتعلقت قائمة سيفي بشيء فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات وأغلق عليه الباب الذي هو فيه وبقي فيه وحده واشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إلى بها، وما كان حولها من الخدين.

وكانت وفاته بسر من رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة- أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائتين- عن ست وثلاثين سنة، وقيل ثنتين وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل خمس سنين وشهران وأحد وعشرين يوما، وصلى عليه أخوه جعفر المتوكل على الله والله أعلم.

خلافة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم ص 309

بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق وقت الزوال من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا، وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبى دؤاد القاضي، وكان هو أول من سلم عليه بالخلافة وبايعه الخاصة والعامة، وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر بالله،

إلى صبيحة يوم الجمعة فقال ابن أبى دؤاد رأيت أن يلقب بالمتوكل على الله، فاتفقوا على ذلك، وكتب إلى الآفاق وأمر بإعطاء الشاكرية من الجند ثمانية شهور، وللمغاربة أربعة شهور، ولغيرهم ثلاثة شهور، واستبشر الناس به. وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه هارون الواثق كأن شيئا نزل عليه من السماء مكتوب فيه جعفر المتوكل على الله، فعبره فقيل له هي الخلافة، فبلغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينا ثم أرسله.

وفيها حج بالناس أمير الحجيج محمد بن داود. وفيها توفى الحكم بن موسى. وعمرو بن محمد.

الناقد.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.