الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
71

واما إلياس عليه السلام

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 336
ص 336

فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات وإن إلياس لمن المرسلين. إذ قال لقومه ألا تتقون. أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين. الله ربكم ورب آبائكم الأولين. فكذبوه فإنهم لمحضرون. إلا عباد الله المخلصين. وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إل ياسين. إنا كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين 37: 123- 132 قال علماء النسب هو الياس التشبى ويقال ابن ياسين بن فنحاص ابن العيزار بن هارون وقيل الياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران. قالوا وكان إرساله الى أهل بعلبك غربي دمشق فدعاهم الى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا. وقيل كانت امرأة اسمها بعل والأول أصح. ولهذا قال لهم (ألا تتقون. أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين. الله ربكم ورب آبائكم الأولين) 37: 124- 126 فكذبوه وخالفوه وأرادوا قتله فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم قال أبو يعقوب الأذرعي عن يزيد بن عبد الصمد عن هشام بن عمار قال وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال إن الياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلك الله الملك وولى غيره فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام فأسلم وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وقال ابن أبي الدنيا حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال أقام إلياس عليه السلام هاربا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة أو قال أربعين ليلة تأتيه الغربان برزقه. وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال أول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسماعيل وإسحاق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون ابنا عمران ثم إلياس التشبى بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام هكذا قال وفي هذا الترتيب نظر وقال مكحول عن كعب أربعة أنبياء أحياء اثنان في الأرض إلياس والخضر واثنان في السماء إدريس وعيسى. وقد قدمنا قول من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك وأن الذي يقوم عليه الدليل أن الخضر مات وكذلك إلياس عليهما السلام. وما ذكره وهب بن منبه وغيره أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه

فجاءته دابة لونها لون النار فركبها وجعل الله له ريشا وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكيا بشريا سماويا أرضيا وأوصى إلى اليسع بن أخطوب ففي هذا نظر وهو من الإسرائيلات التي لا تصدق ولا تكذب بل الظاهر أن صحتها بعيدة والله أعلم.

فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو العباس أحمد ابن سعيد المعداني ببخارا حدثنا عبد الله بن محمود حدثنا عبدان بن سنان حدثني أحمد بن عبد الله البرقي حدثنا يزيد بن يزيد البلوي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن مكحول عن أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا فإذا رجل في الوادي يقول اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم المرحومة المغفورة المتاب لها قال فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع فقال لي من أنت فقلت أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأين هو قلت هو ذا يسمع كلامك قال فأته فأقرئه السلام وقل له أخوك إلياس يقرئك السلام قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم ثم قعدا يتحادثان فقال له يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يوما وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت قال فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس فأكلا وأطعمانى وصلينا العصر ثم ودعه ورأيت مر في السحاب نحو السماء. فقد كفانا البيهقي أمره وقال هذا حديث ضعيف بمرة والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين وهذا مما يستدرك به على المستدرك فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه. ومعناه لا يصح أيضا فقد تقدم في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في السماء إلى أن قال ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن وفيه أنه لم يأت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان هو الذي ذهب إليه. وهذا لا يصح لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء. وفيه أنه يأكل في السنة مرة وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر. وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها. وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه كيف تكلم عليه فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة عن هانئ بن الحسن عن بقية عن الأوزاعي عن مكحول عن واثلة عن ابن الأسقع فذكر نحو هذا مطولا وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس ابن مالك وحذيفة بن اليمان قالا فإذا هو أعلى جسما بذراعين أو ثلاثة واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإبل وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلا من طعام الجنة وقال إن لي في كل أربعين يوما أكلة وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورطب وبقل ما عدا الكراث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن الخضر فقال عهدي به عام أول وقال لي إنك ستلقاه قبلي فأقرئه مني السلام. وهذا يدل على أن الخضر

وإلياس بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة وهذا لا يسوغ شرعا وهذا موضوع أيضا. وقد أورد ابن عساكر طرقا فيمن اجتمع بإلياس من العباد وكلها لا يفرح بها لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني بشر بن معاذ حدثنا حماد بن واقد عن ثابت قال كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة فدخلت حائطا أصلي فيه ركعتين فافتتحت (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول) 40: 1- 3. فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال لي إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي وإذا قلت قابل التوب فقل يا قابل التوب تقبل توبتي. وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني. وإذا قلت ذي الطول فقل يا ذا الطول تطول علي برحمة فالتفت فإذا لا أحد وخرجت فسألت مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقالوا ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس. وقوله تعالى. (فكذبوه فإنهم لمحضرون) 37: 127 أي للعذاب إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون. (وقوله إلا عباد الله المخلصين) 37: 40 أي إلا من آمن منهم وقوله (وتركنا عليه في الآخرين) 37: 78 أي أبقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ولهذا قال (سلام على إل ياسين) 37: 130 أي سلام على الياس. العرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا إسماعيل وإسماعين وإسرائيل وإسرائين وإلياس وإلياسين. ومن قرأ سلام على آل ياسين أي على آل محمد وقرأ ابن مسعود وغيره سلام على إدراسين. ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال إلياس هو إدريس وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق والصحيح أنه غيره كما تقدم والله أعلم.

بحمد الله تعالى قد تم الجزء الأول من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الثاني وأوله (باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام) وقد بذلنا الجهد في تصحيحه وتنقيحه مع الأستاذ العلامة والمحقق الفهامة الشيخ محمود الامام المنصوري من كبار المدرسين بالأزهر الشريف فصار الكتاب مصححا تصحيحا جيدا إلا ما سبق عنه النظر وزاغ عنه البصر (هذا) وليعلم أيضا أنه طبع على ثلاث نسخ قديمة مهمة ما عدا الثمانية ملازم الأول فإنها طبعت على النسختين الموجودتين بالمكتبة الملكية المصرية قبل أن تصلنا النسخة الحلبية. وقد تعهد الأستاذ العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ الحلبي بمقابلة الملازم المذكورة بالنسخة الحلبية العظيمة وبيان الاختلاف لنلحقه بآخر الكتاب. بعون الملك الوهاب مع ما يعرض في أثناء الطبع من الملاحظات فنرجو من قراء هذا الجزء أن ينهونا على ما يقع نظرهم عليه من الخطأ والصواب لنستدركه في آخر الكتاب ولهم الأجر والثواب حرره الفقير اليه فرج الله ذكي الكردي

اعتمدت لطبع هذا الكتاب النسخة المخطوطة المحفوظة بالمدرسة الأحمدية بمدينة حلب بعد معارضتها على النسخة المصورة المحفوظة بدار الكتب المصرية، ومراجعة مختصر سيرة ابن إسحاق لابن هشام وشرحها الروض الأنف للسهيلي ودلائل النبوة للحافظ أبي نعيم والسيرة النبوية الشامية ومعاجم اللغة.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.