الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الأول / باب ذكر فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفائه
66

باب ذكر فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفائه

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 311
ص 311

قال الله تعالى واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا 19: 51- 53. وقال تعالى قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي 7: 144. وتقدم في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أصعق فأفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور. وقدمنا أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب الهضم والتواضع وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعا جزما لا يحتمل النقيض. وقال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط 4: 163 إلى أن قال (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما) 4: 164 وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها 33: 69 قال الإمام أبو عبد الله البخاري حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن روح بن عبادة عن عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص أو أدرة وإما آفة وإن الله عز وجل أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فو الله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا قال فذلك قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها 33: 69. وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن شقيق وهمام بن منبه عن أبي هريرة به وهو في الصحيحين من حديث عبد الرزاق من معمر عن همام عنه به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه

قال بعض السلف كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله وطلب منه أن يكون معه وزيرا فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبيا كما قال (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) 19: 53 ثم قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة حدثنا الأعمش سألت أبا وائل قال سمعت عبد الله قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقال رجل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر. وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به. وقال الإمام أحمد حدثنا أحمد بن حجاج سمعت إسرائيل ابن يونس عن الوليد بن أبي هاشم مولى لهمدان عن زيد بن أبي زائد عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لا يبلغني أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر قال وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه قال فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة فثبت حتى سمعت ما قالا. ثم أتيت رسول الله فقلت يا رسول الله إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه. ثم قال دعنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر. وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن أبي هاشم به وفي رواية للترمذي ولأبي داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدي عن الوليد به وقال الترمذي غريب من هذا الوجه. وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره. ورواه مسلم عن أنس. وفي الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر ليلة أسري به بموسى في السماء السادسة فقال له جبريل هذا موسى فسلم عليه قال فسلمت عليه فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي. وذكر إبراهيم في السماء السابعة. وهذا هو المحفوظ وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمر عن أنس من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الذي عليه الجادة أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة وأنه مسند ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم. واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته خمسين صلاة في اليوم والليلة فمر بموسى قال ارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وأفئدة فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ويخفف عنه في كل مرة حتى صارت الى خمس صلوات في اليوم والليلة وقال الله تعالى هي خمس وهي خمسون أي بالمضاعفة فجزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وسلم خيرا وجزى الله عنا موسى عليه السلام خيرا. وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا حصين

ابن نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال عرضت علي الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه. هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا وقد رواه الإمام أحمد مطولا فقال حدثنا شريح حدثنا هشام حدثنا حصين بن عبد الرحمن. قال كنت عند سعيد بن جبير فقال أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة قلت أنا ثم قلت إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت. قال وكيف فعلت قلت استرقيت. قال وما حملك على ذلك قال قلت حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال لا رقية إلا من عين أو حمة فقال سعيد يعني ابن جبير قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ثم قال حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فقلت هذه أمتي فقيل هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم ثم قيل انظر إلى هذا الجانب فإذا سواد عظيم فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا قط وذكروا أشياء فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه فأخبروه بمقالتهم فقال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محيصن الأسدي فقال أنا منهم يا رسول الله قال أنت منهم ثم قام آخر فقال أنا منهم يا رسول الله فقال سبقك بها عكاشة. وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا وهو في الصحاح والحسان وغيرها وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها. وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيرا وأثنى عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مرارا وكررها كثيرا مطولة ومبسوطة ومختصرة وأثنى عليه بليغا. وكثيرا ما يقرنه الله ويذكره ويذكر كتابه مع محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه كما قال في سورة البقرة ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون 2: 101 وقال تعالى الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام 3: 1- 4 وقال تعالى في سورة الأنعام وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون. وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون 6: 91- 92 فأثنى تعالى على التوراة ثم مدح

القرآن العظيم مدحا عظيما وقال تعالى في آخرها ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون. وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون 6: 154- 155 وقال تعالى في سورة المائدة إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون 5: 44 إلى أن قال وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه 5: 47- 48 الآية فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره وجعله مصدقا لها ومبينا ما وقع فيها من التحريف والتبديل فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها ولا على ضبطها وصونها فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهو منهم وقصورهم في علومهم ورداءة قصودهم وخيانتهم لمعبودهم عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسوله ما لا يحد ولا يوصف وما لا يوجد مثله ولا يعرف. وقال تعالى في سورة الأنبياء ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين. الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون. وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون 21: 48- 50 وقال الله تعالى في سورة القصص. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون. قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين 28: 48- 49. فأثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين عليهما السلام. وقالت الجن لقومهم إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى. وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى من الأول الوحي وتلا عليه (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) 96: 1- 5 قال سبوح سبوح هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران.

وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت عظيمة وأمته كانت أمة كثيرة ووجد فيها أنبياء وعلماء وعباد وزهاد وألباء وملوك وأمراء وسادات وكبراء. لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا كما بدلت شريعتهم ومسخوا قردة وخنازير ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.